الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

391

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وإجراء وصف رَبِّ السَّماواتِ على اسمه تعالى إيماء إلى علّة قصر الحمد على اللّه إخبارا وإنشاء تأكيدا لما اقتضته الفاء في قوله : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وعطف وَرَبِّ الْأَرْضِ بتكرير لفظ رَبِّ للتنويه بشأن الربوبية لأن رب السماوات والأرض يحق حمده على أهل السماء والأرض ، فأما أهل السماء فقد حمدوه كما أخبر اللّه عنهم بقوله : وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [ الشورى : 5 ] . وأما أهل الأرض فمن حمده منهم فقد أدى حق الربوبية ومن حمد غيره وأعرض عنه فقد سجل على نفسه سمة الإباق ، وكان بمأوى النار محلّ استحقاق . ثم أتبع بوصف رَبِّ الْعالَمِينَ وهم سكان السماوات والأرض تأكيدا لكونهم محقوقين بأن يحمدوه لأنه خالق العوالم التي هم منتفون بها وخالق ذواتهم فيها كذلك . وعقب ذلك بجملة وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ للإشارة إلى أن استدعاءه خلقه لحمده إنما هو لنفعهم وتزكية نفوسهم فإنه غني عنهم كما قال : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ [ الذاريات : 56 ، 57 ] . وتقديم المجرور في وَلَهُ الْكِبْرِياءُ مثله في فَلِلَّهِ الْحَمْدُ . والكبرياء : الكبر الحق الذي هو كمال الصفات وكمال الوجود . ثم أتبع ذلك بصفتي الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لأن العزة تشمل معاني القدرة والاختيار ، والحكمة تجمع معاني تمام العلم وعمومه . وبهذه الخاتمة آذن الكلام بانتهاء السورة فهو من براعة خواتم السور .