الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

388

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقول العاصي بن وائل لخباب بن الأرتّ : لأوتين مالا وولدا في الآخرة فأقضي منه دينك . ومن الأشياء التي جعلوها هزؤا مثل عذاب جهنم وشجرة الزقوم وهو ما عبر عنه آنفا ب سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا . وإنما عدل عن الإضمار إلى الموصولية لأن في الصلة تغليطا لهم وتنديما على ما فرطوا من أخذ العدة ليوم الجزاء على طريقة قول عبدة بن الطيب : إن الذين ترونهم إخوانكم * يشفي غليل صدورهم أن تصرعوا والمعنى : أنهم قد أودعوا جهنم فأحاط بهم سرادقها . والباء في بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يجوز حملها على السببية وعلى تعدية فعل يَسْتَهْزِؤُنَ إلى ما لا يتعدى إليه أي العذاب . [ 34 ، 35 ] [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 34 إلى 35 ] وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 34 ) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 35 ) لما أودعوا جهنم وأحاطت بهم نودوا الْيَوْمَ نَنْساكُمْ إلى آخره تأييسا لهم من العفو عنهم . وبني فعل قِيلَ للنائب حطّا لهم عن رتبة أن يصرح باسم اللّه في حكاية الكلام الذي واجههم به كما أشرنا إليه عند قوله آنفا وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [ الجاثية : 32 ] بناء على أن ضمير نَنْساكُمْ ضمير الجلالة وليس من قول الملائكة ، فإن كان من قول خزنة جهنم ببناء فعل وَقِيلَ للنائب للعلم بالفاعل . وأطلق النسيان على الترك المؤبد على سبيل المجاز المرسل لأن النسيان يستلزم ترك الشيء المنسي في محله أو تركه على حالته ، ويجوز أن يكون النسيان مستعارا للإهمال وعدم المبالاة ، أي فلا تتعلق الإرادة بالتخفيف عنهم وعلى هذين الاعتبارين يفسر معنى النسيان الثاني . والكاف في كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ للتعليل كما في قوله تعالى : وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ [ البقرة : 198 ] ، أي جزاء نسيانكم هذا اليوم ، أي إعراضكم عن الإيمان به . واللقاء : وجدان شيء شيئا في مكان ، وهو المصادفة يقال : لقي زيد عمرا ، ولقي العصفور حبة . ولقاء اليوم ، أطلق اليوم على ما فيه من الأحداث على سبيل المجاز