الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
383
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للحساب ، أي يذهب أفرادها للحساب ولو قيل : وترى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها لأوهم أن الجثو والدعاء إلى الكتاب يحصلان معا مع ما في إعادة الخبر مرة ثانية من التهويل . وجملة الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ بدل اشتمال من جملة تُدْعى إِلى كِتابِهَا بتقدير قول محذوف ، أي يقال لهم اليوم تجزون ، أي يكون جزاؤكم على وفق أعمالكم وجريها على وفق ما يوافق كتاب دينكم من أفعالكم في الحسنات والسيئات ، وهذا البدل وقع اعتراضا بين جملة وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً وجملة فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ الجاثية : 30 ] الآيات . وجملة هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ من مقول القول المقدّر ، وهي مستأنفة استئنافا بيانيا لتوقع سؤال من يقول منهم : ما هو طريق ثبوت أعمالها . والإشارة إما إلى كتاب شريعة الأمة المدعوة ، وإما إلى كتب أفرادها على تأويل الكتاب بالجنس على الوجهتين المتقدمين . وإفراد ضمير يَنْطِقُ على هذا الوجه مراعاة للفظ كِتابُنا ، فالمعنى هذه كتبنا تنطق عليكم بالحق . وإضافة ( كتاب ) إلى ضمير اللّه تعالى بعد أن أضيف إلى كُلَّ أُمَّةٍ لاختلاف الملابسة ، فالكتاب يلابس الأمة لأنّه جعل لإحصاء أعمالهم أو لأن ما كلفوا به مثبت فيه ، وإضافته إلى ضمير اللّه لأنه الآمر به . وإسناد النطق إلى الكتاب مجاز عقلي وإنما تنطق بما في الكتاب ملائكة الحساب ، أو استعير النطق للدلالة نحو قولهم : نطقت الحال . والمعنى : أن فيه شهادة عليهم بأن أعمالهم مخالفة لوصايا الكتاب أو بأنها مكتوبة في صحائف أعمالهم على التأويلين في المراد بالكتاب . ولتضمن يَنْطِقُ معنى ( يشهد ) عدي بحرف ( على ) . ولما كان المقام للتهديد اقتصر فيه على تعدية يَنْطِقُ بحرف ( على ) دون زيادة : ولكم ، إيثارا لجانب التهديد . وجملة إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ استئناف بياني لأنهم إذا سمعوا هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ خطر ببالهم السؤال : كيف شهد عليهم الكتاب اليوم وهم قد عملوا الأعمال في الدنيا ، فأجيبوا بأن اللّه كان يأمر بنسخ ما يعملونه في الصحف في وقت عمله .