الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

370

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الآخرة كما أنّا أفضل حالا منكم في الدنيا . وتأويل نزول هذه الآية على هذا السبب أن حدوث قول هؤلاء النفر صادف وقت نزول هذه الآيات من السورة أو أن قولهم هذا متكرر فناسب تعرض الآية له حقه . ونزول الآية على هذا السبب لإبطال كلامهم في ظاهر حاله وإن كانوا لم يقولوه عن اعتقاد وإنما قالوه استهزاء ، لئلا يروج كلامهم على دهمائهم والحديثين في الإسلام لأن شأن التصدّي للإرشاد أن لا يغادر مغمزا لرواج الباطل إلا سدّه ، كما في قوله تعالى : أَ فَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [ مريم : 77 ، 78 ] وله نظائر في القرآن . وزاد القرطبي في حكاية كلام الكلبي أنهم قالوه حين برزوا لهم يوم بدر ، وهو لا يستقيم لأن السورة مكية ولم ينقل عن أحد استثناء هذه الآية منها . والاجتراح : الاكتساب ، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة ، وهو مشتق من الجرح فأطلق على اكتساب السباع ونحوها ، ولذلك سميت كلاب الصيد جوارح وسمي به اكتساب الناس لأن غالب كسبهم في الجاهلية كان من الإغارة على إبل القوم وهي بالرماح ، قالت أم زرع : فنكحت بعده رجلا سريّا ، ركب شريّا ، وأخذ خطبا وأراح عليّ نعما ثريا ، ولذلك غلب إطلاق الاجتراح على اكتساب الإثم والخبيث . وظاهر تركيب الآية أن قوله : سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ داخل في الحسبان المنكور فيكون المعنى : إنكار أن يستوي المشركون مع المؤمنين لا في الحياة ولا بعد الممات ، فكما خالف اللّه بين حاليهم في الحياة الدنيا فجعل فريقا كفرة مسيئين وفريقا مؤمنين محسنين ، فكذلك سيخالف بين حاليهم في الممات فيموت المشركون على اليأس من رحمة اللّه إذ لا يوقنون بالبعث ويلاقون بعد الممات هول ما توعدهم اللّه به ، ويموت المؤمنون رجاء رحمة اللّه والبشرى بما وعدوا به ويلاقون بعد الممات ثواب اللّه ورضوانه . وقرأ الجمهور : سواء مرفوعا فيكون موقع جملة سَواءً مَحْياهُمْ موقع البدل من كاف التشبيه التي هي بمعنى مثل على ما ذهب إليه صاحب « الكشاف » يريد أنه بدل مطابق لأن الجملة تبدل من المفرد على الأصح ، والبدل المطابق هو عطف البيان عند التحقيق ، فيكون جملة سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ بيان ما حسبه المشركون . وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وخلف منصوبا ، فلفظ سَواءً وحده بدل من كاف المماثلة ، بدل مفرد من مفرد أو حال من ضمير النصب في نَجْعَلَهُمْ . وهذا لأن