الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

368

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بها التنويه بشأن القرآن ومتبعيه والتعريض بتحميق الذين أعرضوا عنه ، وتكون مفيدة تأكيد قوله آنفا هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ [ الجاثية : 11 ] ، وتكون الجملة المتقدمة صريحة في وعيد الذين كفروا بآياته وهذه تعريضا بأنهم لم يحظوا بهذه البصائر ، وكلا الاحتمالين رشيق ، وكل بأن يكون مقصودا حقيق . و بَصائِرُ : جمع بصيرة وهي إدراك العقل الأمور على حقائقها ، شبهت ببصر العين ، وفرق بينهما بصيغة فعلية للمبالغة قال تعالى : أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي في سورة يوسف [ 108 ] . وقال : قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ في سورة الإسراء [ 102 ] وقوله : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ في سورة القصص [ 43 ] . ووصف الآيات السابقة أو القرآن بالبصائر مجاز عقلي لأن ذلك سبب البصائر . وجمع البصائر : إن كانت الإشارة إلى القرآن باعتبار المتبصرين بسببه كما اقتضاه قوله : لِلنَّاسِ لأن لكل أحد بصيرته الخاصة فهي أمر جزئي بالتبع لكون صاحب كل بصيرة جزئيا مشخصا فناسب أن تورد جمعا ، فالبصيرة : الحاسّة من الحواس الباطنة ، وهذا بخلاف إفراد هُدىً وَرَحْمَةٌ لأن الهدى والرحمة معنيان كليان يصلحان للعدد الكثير قال تعالى : هُدىً لِلنَّاسِ * [ آل عمران : 4 ] وقال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] . وإنما كان هدى لأنه طريق نفع لمن اتبع إرشاده فاتباعه كالاهتداء للطريق الموصلة إلى المقصود . وإنّما كان رحمة لأن في اتباع هداه نجاح الناس أفرادا وجماعات في الدنيا لأنه نظام مجتمعهم ومناط أمنهم ، وفي الآخرة لأنه سبب نوالهم درجات النعيم الأبدي . وكان بصائر لأنه يبين للناس الخير والشر ويحرضهم على الخير ويحذرهم من الشر ويعدهم على فعل الخير ويوعدهم على فعل الشرور فعمله عمل البصيرة . وجعل البصائر للناس لأنه بيان للناس عامة وجعل الهدى والرحمة لقوم يوقنون لأنه لا يهتدي ببيانه إلا الموقن بحقيقته ولا يرحم به إلا من اتبعه المؤمن بحقيته . وذكر لفظ ( قوم ) للإيماء إلى أن الإيقان متمكن من نفوسهم كأنه من مقومات قوميتهم التي تميزهم عن أقوام آخرين . والإيقان : العلم الذي لا يتردد فيه صاحبه . وحذف متعلقه لأنه معلوم بما جاءت به آيات اللّه .