الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
329
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بقوم آخرين ، وليس المراد بقوله : قَوْماً آخَرِينَ قوما من بني إسرائيل ، ألا ترى أنه أعيد الاسم الظاهر في قوله عقبه وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ [ الدخان : 30 ] ، ولم يقل ولقد نجيناهم . ووقع في آية الشعراء فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 57 - 59 ] والمراد هنالك أن أنواعا مما أخرجنا منه قوم فرعون أورثناها بني إسرائيل ، ولم يقصد أنواع تلك الأشياء في خصوص أرض فرعون . ومناسبة ذلك هنالك أن القومين أخرجا مما كانا فيه ، فسلب أحد الفريقين ما كان له دون إعادة لأنهم هلكوا ، وأعطي الفريق الآخر أمثال ذلك في أرض فلسطين ، ففي قوله : وَأَوْرَثْناها تشبيه بليغ وانظر آية سورة الشعراء . [ 29 ] [ سورة الدخان ( 44 ) : آية 29 ] فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) تفريع على قوله : كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ إلى قوله : قَوْماً آخَرِينَ [ الدخان : 25 - 28 ] ، فإن ذلك كله يتضمن أنهم هلكوا وانقرضوا ، أي فما كان مهلكهم إلا كمهلك غيرهم ولم يكن حدثا عظيما كما كانوا يحسبون ويحسب قومهم ، وكان من كلام العرب إذا هلك عظيم أن يهوّلوا أمر موته بنحو : بكت عليه السماء ، وبكته الريح ، وتزلزلت الجبال ، قال النابغة في توقع موت النعمان بن المنذر من مرضه : فإن يهلك أبو قابوس يهلك * ربيع الناس والبلد الحرام وقال في رثاء النعمان بن الحارث الغساني : بكى حارث الجولان من فقد ربه * وحوران منه موحش متضائل والكلام مسوق مساق التحقير لهم ، وقريب منه قوله تعالى : وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ [ إبراهيم : 46 ] ، وهو طريقة مسلوكة وكثر ذلك في كلام الشعراء المحدثين ، قال أبو بكر بن اللّبّانة الأندلسي في رثاء المعتمد بن عباد ملك إشبيلية : تبكي السماء بمزن رائح غاد * على البهاليل من أبناء عباد والمعنى : فما كان هلاكهم إلا كهلاك غيرهم ولا أنظروا بتأخير هلاكهم بل عجّل لهم الاستئصال . [ 30 ، 31 ]