الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

322

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الدخان : 16 ] ، أي منتقمون منهم في المستقبل وانتقمنا من قوم فرعون فيما مضى . وأشعر قوله قَبْلَهُمْ أن أهل مكة سيفتنون كما فتن قوم فرعون ، فكان هذا الظرف مؤذنا بجملة محذوفة على طريقة الإيجاز ، والتقدير : إنا منتقمون ففاتنوهم فقد فتنا قبلهم قوم فرعون ، ومؤذنا بأن المذكور كالدليل على توقع ذلك وإمكانه وهو إيجاز آخر . والمقصود تشبيه الحالة بالحالة ولكن عدل عن صوغ الكلام بصيغة التشبيه والتمثيل إلى صوغه بصيغة الإخبار اهتماما بالقصة وإظهارا بأنها في ذاتها مما يهم العلم به ، وأنها تذكير مستقل وأنها غير تابعة غيرها . ولأن جملة وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ عطفت على جملة فَتَنَّا أي ولقد جاءهم رسول كريم ، عطف مفصل على مجمل ، وإنما جاء معطوفا إذ المذكور فيه أكثر من معنى الفتنة ، فلا تكون جملة وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ بيانا لجملة فَتَنَّا بل هي تفصيل لقصة بعثة موسى عليه السلام . والفتن : الإيقاع في اختلال الأحوال ، وتقدم في قوله تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ في سورة البقرة [ 191 ] . والرسول الكريم : موسى ، والكريم : النفيس الفائق في صنفه ، وتقدم عند قوله تعالى : إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ في سورة النمل [ 29 ] ، أي رسول من خيرة الرسل أو من خيرة الناس . و أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ تفسير لما تضمنه وصف رَسُولٌ وفعل جاءَهُمْ من معنى الرسالة والتبليغ ففيهما معنى القول . ومعنى أَدُّوا إِلَيَّ ارجعوا إلي وأعطوا قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ [ آل عمران : 75 ] ، يقال : أدّى الشيء أوصله وأبلغه . وهمزة الفعل أصلية وهو مضاعف العين ولم يسمع منه فعل سالم غير مضاعف ، جعل بني إسرائيل كالأمانة عند فرعون على طريقة الاستعارة المكنية . وخطاب الجمع لقوم فرعون . والمراد : فرعون ومن حضر من ملئه لعلهم يشيرون على فرعون بالحق ، ولعله إنما خاطب مجموع الملإ لمّا رأى من فرعون صلفا وتكبرا من الامتثال ، فخطاب أهل مشورته لعل فيهم من يتبصر الحق . و عِبادَ اللَّهِ يجوز أن يكون مفعول أَدُّوا مرادا به بنو إسرائيل ، أجري وصفهم عِبادَ اللَّهِ تذكيرا لفرعون بموجب رفع الاستعباد عنهم ، وجاء في سورة الشعراء [ 17 ] أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ فحصل أنّه وصفهم بالوصفين ، فوصف عِبادَ اللَّهِ مبطل لحسبان القبط إياهم عبيدا كما قال : وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [ المؤمنون : 47 ] وإنما هم عباد