الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

316

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على النبي صلى اللّه عليه وسلّم واستعصوا عليه قال : اللّهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ، فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع فأتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقيل له : استسق لمضر أن يكشف عنهم العذاب ، فدعا فكشف عنهم وقال اللّه له : إن كشفنا عنهم العذاب عادوا ، فعادوا : فانتقم اللّه منهم يوم بدر فذلك قوله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ إلى قوله يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ [ الدخان : 10 - 16 ] والبطشة الكبرى يوم بدر . وإن عبد اللّه قال : مضى خمس : الدخان ، والروم والقمر والبطشة واللّزام . في حديث أبي هريرة في « صحيح البخاري » في أبواب الاستسقاء أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة من الصبح يقول : « اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة . اللّهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف . وهؤلاء الذين دعا لهم بالنجاة كانوا ممن حبسهم المشركون بعد الهجرة ، وكل هذه الروايات يؤذن بأن دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلّم على المشركين بالسنين كان بعد الهجرة لئلا يعذب المسلمون بالجوع وأنه كان قبل وقعة بدر ، وفي بعض روايات القنوت أنه دعا في القنوت على بني لحيان وعصيّة . والذي يستخلص من الروايات أن هذا الجوع حلّ بقريش بعيد الهجرة ، وذلك هو الجوع الذي دعا به النبي صلى اللّه عليه وسلّم إذ قال : « اللّهم أعنّي عليهم بسبع كسبع يوسف » ، وفي رواية « اللّهم اشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف » فأتي النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقيل له : استسق لمضر وفي رواية عن مسروق عن ابن مسعود في « صحيح البخاري » أن الذي أتى النبي هو أبو سفيان . وقال المفسرون : إن أبا سفيان أتاه في ناس من أهل مكة يعني أتوا المدينة لمّا علموا أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان دعا عليهم بالقحط ، فقالوا : إن قومك قد هلكوا فادع اللّه أن يسقيهم فدعا . وعلى هذه الرواية يكون قوله تعالى : يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ تمثيلا لهيئة ما يراه الجائعون من شبه الغشاوة على أبصارهم حين ينظرون في الجوّ بهيئة الدخان النازل من الأفق ، فالمجاز في التركيب . وأما مفردات التركيب فهي مستعملة في حقائقها لأن من معاني السماء في كلام العرب قبة الجو ، وتكون جملة يَغْشَى النَّاسَ ترشيحا للتمثيلية لأن الذي يغشاهم هو الظلمة التي في أبصارهم من الجوع ، وليس الدخان هو الذي يغشاهم . وبعض الروايات ركب على هذه الآية حديث