الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
302
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مضى في سورة الأنبياء [ 28 ] . ووصف الشفعاء بأنهم شهدوا بالحق وهم يعلمون أي وهم يعلمون حال من يستحق الشفاعة . فقد علم أنهم لا يشفعون للذين خالف حالهم حال من يشهد للّه بالحق . [ 87 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 87 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 87 ) بعد أن أمعن في إبطال أن يكون إله غير اللّه بما سيق من التفصيلات ، جاء هنا بكلمة جامعة لإبطال زعمهم إلهية غير اللّه بقوله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ أي سألتهم سؤال تقرير عمن خلقهم فإنه يقرّون بأن اللّه خلقهم ، وهذا معلوم من حال المشركين كقول ضمام بن ثعلبة للنبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أسألك بربّك وربّ من قبلك آللّه أرسلك » ، ولأجل ذلك أكّد إنهم يقرون للّه بأنه الخالق فقال : لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ، وذلك كاف في سفاهة رأيهم إذ كيف يكون إلها من لم يخلق ، قال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ [ النحل : 17 ] . والخطاب في قوله : سَأَلْتَهُمْ للنبي صلى اللّه عليه وسلّم . ويجوز أن يكون لغير معيّن ، أي إن سألهم من يتأتى منه أن يسأل . وفرع على هذا التقرير والإقرار الإنكار والتعجيب من انصرافهم من عبادة اللّه إلى عبادة آلهة أخرى بقوله : فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ . و ( أنّى ) اسم استفهام عن المكان فمحله نصب على الظرفية ، أي إلى أيّ مكان يصرفون . و يُؤْفَكُونَ يصرفون : يقال : أفكه عن كذا ، يأفكه من باب ضرب ، إذا صرفه عنه ، وبني للمجهول إذ لم يصرفهم صارف ولكن صرفوا أنفسهم عن عبادة خالقهم ، فقوله : فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ هو كقول العرب : أين يذهب بك ، أي أين تذهب بنفسك إذ لا يريدون أن ذاهبا ذهب به يسألونه عنه ولكن المراد : أنه لم يذهب به أحد وإنما ذهب بنفسه . [ 88 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 88 ] وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ ( 88 ) القيل مصدر قال ، والأظهر أنه اسم مراد به المفعول ، أي المقول مثل الذبح وأصله : قول ، بكسر القاف وسكون الواو . والمعنى : ومقولة . والضمير المضاف إليه : ( قيل ) ضمير الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بقرينة سياق الاستدلال والحجاج من قوله : قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ [ الزخرف : 81 ] ، وبقرينة قوله : يا