الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

299

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجزم فعل يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا بلام الأمر محذوفة وهو أولى من جعله جزما في جواب الأمر ، وقد تكرر مثله في القرآن فالأمر هنا مستعمل في التهديد من قبيل اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [ فصلت : 40 ] . وقرأ الجمهور يُلاقُوا بضم الياء وبألف بعد اللام ، وصيغة المفاعلة مجاز في أنه لقاء محقق . وقرأه أبو جعفر يُلْقُوا بفتح الياء وسكون اللام على أنه مضارع المجرد . [ 84 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 84 ] وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ( 84 ) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ . عطف على جملة قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [ الزخرف : 81 ] والجملتان اللتان بينهما اعتراضان ، قصد من العطف إفادة نفي الشريك في الإلهية مطلقا بعد نفي الشريك فيها بالبنوة ، وقصد بذكر السماء والأرض الإحاطة بعوالم التدبير والخلق لأن المشركين جعلوا للّه شركاء في الأرض وهم أصنامهم المنصوبة ، وجعلوا له شركاء في السماء وهم الملائكة إذ جعلوهم بنات للّه تعالى فكان قوله : فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ إبطالا للفريقين مما زعمت إلهيتهم . وكان مقتضى الظاهر بهذه الجملة أن يكون أوّلها الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ على أنه وصف للرحمن من قوله : إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ [ الزخرف : 81 ] ، فعدل عن مقتضى الظاهر بإيراد الجملة معطوفة لتكون مستقلة غير صفة ، وبإيراد مبتدأ فيها لإفادة قصر صفة الإلهية في السماء وفي الأرض على اللّه تعالى لا يشاركه في ذلك غيره ، لأن إيراد المسند إليه معرفة والمسند معرفة طريق من طرق القصر . فالمعنى وهو لا غيره الذي في السماء إله وفي الأرض إله ، وصلة الَّذِي جملة اسمية حذف صدرها ، وصدرها ضمير يعود إلى معاد ضمير وَهُوَ وحذف صدر الصلة استعمال حسن إذا طالت الصلة كما هنا . والتقدير : الذي هو في السماء إله . والمجروران يتعلقان ب إِلهٌ باعتبار ما يتضمنه من معنى المعبود لأنه مشتق من أله ، إذا عبد فشابه المشتق . وصح تعلق المجرور به فتعلقه بلفظ إله كتعلق الظرف بغربال وأقوى من تعلق المجرور بكانون في قول الحطيئة يهجو أمه من أبيات : أغربالا إذا استودعت سرّا * وكانونا على المتحدّثينا « 1 »

--> ( 1 ) الرواية بنصب غربالا وكانونا بتقدير : أتكونين ، ويجوز رفعهما بتقدير : أأنت .