الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
293
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
جملة وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ . وحكي نداؤهم بصيغة الماضي مع أنه مما سيقع يوم القيامة ، إما لأن إبلاسهم في عذاب جهنم وهو اليأس يكون بعد أن نادوا يا مالك وأجابهم بما أجاب به ، وذلك إذا جعلت جملة وَنادَوْا حالية ، وإمّا لتنزيل الفعل المستقبل منزلة الماضي في تحقيق وقوعه تخريجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر نحو قوله تعالى : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ [ النمل : 87 ] فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الزمر : 68 ] وهذا إن كانت جملة وَنادَوْا إلخ معطوفة . و ( مالك ) المنادى اسم الملك الموكّل بجهنم خاطبوه ليرفع دعوتهم إلى اللّه تعالى شفاعة . واللام في لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ لام الأمر بمعنى الدعاء . وتوجيه الأمر إلى الغائب لا يكون إلا على معنى التبليغ كما هنا ، أو تنزيل الحاضر منزلة الغائب لاعتبار ما مثل التعظيم في نحو قول الوزير للخليفة : لير الخليفة رأيه . والقضاء بمعنى : الإماتة كقوله : فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ [ القصص : 15 ] ، سألوا اللّه أن يزيل عنهم الحياة ليستريحوا من إحساس العذاب . وهم إنما سألوا اللّه أن يميتهم فأجيبوا بأنهم ماكثون جوابا جامعا لنفي الإماتة ونفي الخروج فهو جواب قاطع لما قد يسألونه من بعد . ومن النوادر المتعلقة بهذه الآية ما روي أن ابن مسعود قرأ ( ونادوا يا مال ) بحذف الكاف على الترخيم ، فذكرت قراءته لابن عباس فقال : ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم ، قال في « الكشاف » : وعن بعضهم : حسّن الترخيم أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم وعظم ما هم فيه ا ه . وأراد ببعضهم ابن جني فيما ذكره الطّيبي أن ابن جنّي قال : وللترخيم في هذا الموضع سرّ وذلك أنهم لعظم ما هم عليه ضعفت وذلّت أنفسهم وصغر كلامهم فكان هذا من مواضع الاختصار . وفي « صحيح البخاري » عن يعلى بن أمية سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلّم يقرأ على المنبر وَنادَوْا يا مالِكُ بإثبات الكاف . قال ابن عطية : وقراءة ( ونادوا يا مال ) رواها أبو الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم فيكون النبي صلى اللّه عليه وسلّم قرأ بالوجهين وتواترت قراءة إثبات الكاف وبقيت الأخرى مروية بالآحاد فلم تكن قرآنا . وجملة لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ إلى آخرها في موضع العلة لجملة إِنَّكُمْ ماكِثُونَ باعتبار تمام الجملة وهو الاستدراك بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ .