الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
280
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بعيد فإن تقدير مضاف وهو نزول لا دليل عليه ويناكده إظهار اسم عيسى في قوله : وَلَمَّا جاءَ عِيسى [ الزخرف : 63 ] إلخ . ويجوز عندي أن يكون ضمير إِنَّهُ ضمير شأن ، أي أن الأمر المهمّ لعلم الناس بوقوع الساعة . وعدّي فعل فَلا تَمْتَرُنَّ بِها بالباء لتضمينه معنى : لا تكذبن بها ، أو الباء بمعنى ( في ) الظرفية . وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ . يجوز أن يكون ضمير المتكلم عائدا إلى اللّه تعالى ، أي اتبعوا ما أرسلت إليكم من كلامي ورسولي ، جريا على غالب الضمائر من أول السورة كما تقدم ، فالمراد باتّباع اللّه : اتباع أمره ونهيه وإرشاده الوارد على لسان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فاتّباع اللّه تمثيل لامتثالهم ما دعاهم إليه بأن شبه حال الممتثلين أمر اللّه بحال السالكين صراطا دلّهم عليه دليل . ويكون هذا كقوله في سورة الشورى [ 52 ، 53 ] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ . ويجوز أن يكون عائدا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلّم بتقدير : وقل اتبعون ، ومثله في القرآن كثير . والإشارة في هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ للقرآن المتقدم ذكره في قوله : وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أو الإشارة إلى ما هو حاضر في الأذهان مما نزل من القرآن أو الإشارة إلى دين الإسلام المعلوم من المقام كقوله تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] . وحذفت ياء المتكلم تخفيفا مع بقاء نون الوقاية دليلا عليها . [ 62 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 62 ] وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 62 ) لما أبلغت أسماعهم أفانين المواعظ والأوامر والنواهي ، وجرى في خلال ذلك تحذيرهم من الإصرار على الإعراض عن القرآن ، وإعلامهم بأن ذلك يفضي بهم إلى مقارنة الشيطان ، وأخذ ذلك حظه من البيان انتقل الكلام إلى نهيهم عن أن يحصل صدّ الشيطان إياهم عن هذا الدّين والقرآن الذي دعوا إلى اتّباعه بقوله : وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ [ الزخرف : 61 ] تنبيها على أن الصدود عن هذا الدّين من وسوسة الشيطان ، وتذكيرا بعداوة الشيطان للإنسان عداوة قوية لا يفارقها الدفع بالناس إلى مساوئ الأعمال ليوقعهم في العذاب تشفّيا لعداوته .