الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

276

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الزبعرى بالمثل بعيسى في قوله ، معجبين بفلجه وظهور حجته لضعف إدراكهم لمراتب الاحتجاج . والتعبير عن قريش بعنوان قَوْمُكَ . للتعجيب منهم كيف فرحوا من تغلب ابن الزبعرى على النبي صلى اللّه عليه وسلّم بزعمهم في أمر عيسى عليه السلام ، أي مع أنهم قومك وليسوا قوم عيسى ولا أتباع دينه فكان فرحهم ظلما من ذوي القربى ، قال زهير : وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة * على المرء من وقع الحسام المهنّد و ( من ) في قوله مِنْهُ على الاحتمالين ليست لتعدية يَصِدُّونَ إلى ما في معنى المفعول ، لأن الفعل إنما يتعدّى إليه بحرف ( عن ) ، ولا أن الضمير المجرور بها عائد إلى القرآن ولكنها متعلقة ب يَصِدُّونَ تعلقا على معنى الابتداء ، أي يصدون صدّا ناشئا منه ، أي من المثل ، أي ضرب لهم مثل فجعلوا ذلك المثل سببا للصدّ . وقالوا جميعا : آلهتنا خير أم هو ، تلقفوها من فم ابن الزبعرى حين قالها للنبي صلى اللّه عليه وسلّم فأعادوها . فهذا حكاية لقول ابن الزبعرى : إنك تزعم أن عيسى نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النار قد رضينا أن نكون وآلهتنا في النار . والاستفهام في قوله : آلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ تقريري للعلم بأن النبي يفضل عيسى على آلهتهم ، أي فقد لزمك أنك جعلت أهلا للنار من كنت تفضله فأمر آلهتنا هيّن . وضمير الرفع في ما ضَرَبُوهُ عائد إلى ابن الزبعرى وقومه الذين أعجبوا بكلامه وقالوا بموجبه . وضمير النصب الغائب يجوز أن يكون عائدا إلى المثل في قوله : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا ، أي ما ضربوا لك ذلك المثل إلا جدلا منهم ، أي محاجة وإفحاما لك وليسوا بمعتقدين هون أمر آلهتهم عندهم ، ولا بطالبين الميز بين الحق والباطل ، فإنهم لا يعتقدون أن عيسى خير من آلهتهم ولكنهم أرادوا مجاراة النبي في قوله ليفضوا إلى إلزامه بما أرادوه من المناقضة . ويجوز أن يكون ضمير النصب في ضَرَبُوهُ عائدا إلى مصدر مأخوذ من فعل وَقالُوا ، أي ما ضربوا ذلك القول ، أي ما قالوه إلا جدلا . فالضرب بمعنى الإيجاد كما يقال : ضرب بيتا ، وقول الفرزدق : ضربت عليك العنكبوت بنسجها والاستثناء في إِلَّا جَدَلًا مفرّغ للمفعول لأجله أو للحال ، فيجوز أن ينتصب