الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
274
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يكون جرى في أثناء المجادلة في شأن عيسى ، ويحتمل أن يكون مجرد حكاية شبهة أخرى من شبه عقائدهم ، ففي هذه الآية إجمال يبينه ما يعرفه النبي صلى اللّه عليه وسلّم والمؤمنون من جدل جرى مع المشركين ، ويزيده بيانا قوله : إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [ الزخرف : 59 ] وهذه الآية من أخفى آي القرآن معنى مرادا . وقد اختلف أهل التفسير في سبب نزول هذه الآية وما يبين إجمالها على ثلاثة أقوال ذكرها في « الكشاف » وزاد من عنده احتمالا رابعا . وأظهر الأقوال ما ذكره ابن عطية عن ابن عباس وما ذكره في « الكشاف » وجها ثانيا ووجها ثالثا أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى اللّه عليه وسلّم بيان إِنَّ مَثَلَ عِيسى . . كَمَثَلِ آدَمَ [ آل عمران : 59 ] وليس خلقه من دون أب بأعجب من خلق آدم من دون أب ولا أم أو ذلك قبل أن تنزل سورة آل عمران لأن تلك السورة مدنية وسورة الزخرف مكية قالوا : نحن أهدى من النصارى لأنهم عبدوا آدميا ونحن عبدنا الملائكة أي يدفعون ما سفههم به النبي صلى اللّه عليه وسلّم بأن حقه أن يسفه النصارى فنزل قوله تعالى : وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا الآية ولعلهم قالوا ذلك عن تجاهل بما جاء في القرآن من ردّ على النصارى . والذي جرى عليه أكثر المفسرين أن سبب نزولها الإشارة إلى ما تقدم في سورة الأنبياء [ 98 ] عند قوله تعالى : إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ إذ قال عبد اللّه بن الزبعرى قبل إسلامه للنبي صلى اللّه عليه وسلّم : أخاصة لنا ولآلهتنا أم لجميع الأمم . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « هو لكم ولآلهتكم ولجميع الأمم » ، قال : « خصمتك ورب الكعبة ألست تزعم أن عيسى ابن مريم نبيء وقد عبدته النصارى فإن كان عيسى في النّار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه » ففرح بكلامه من حضر من المشركين وضجّ أهل مكة بذلك فأنزل اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ في سورة الأنبياء [ 101 ] ونزلت هذه الآية تشير إلى لجاجهم . وبعض المفسرين يزيد في رواية كلام ابن الزبعرى : وقد عبدت بنو مليح الملائكة فإن كان عيسى والملائكة في النّار فقد رضينا . وهذا يتلاءم مع بناء فعل ضُرِبَ للمجهول لأن الذي جعل عيسى مثلا لمجادلته هو عبد اللّه بن الزبعرى ، وليس من عادة القرآن تسمية أمثاله ، ولو كان المثل مضروبا في القرآن لقال : ولما ضربنا ابن مريم مثلا ، كما قال بعده وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ [ الزخرف : 59 ] . ويتلاءم مع تعدية فعل يَصِدُّونَ بحرف ( من ) الابتدائية دون حرف ( عن ) ومع قوله : ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا