الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

267

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بخصائص بعض الأشياء التي لا تعرفها العامة ، وكان الكهنة يعهدون بها إلى تلامذتهم ويوصونهم بالكتمان . والعهد : هو الائتمان على أمر مهمّ ، وليس مرادهم به النبوءة لأنهم لم يؤمنوا به وإذ لم يعرفوا كنه العهد عبروا عنه بالموصول وصلته . والباء في قوله : بِما عَهِدَ عِنْدَكَ متعلقة ب ادْعُ وهي للاستعانة . ولما رأوا الآيات علموا أن رب موسى قادر ، وأن بينه وبين موسى عهدا يقتضي استجابة سؤله . وجملة إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ جواب لكلام مقدر دل عليه ادْعُ لَنا رَبَّكَ أي فإن دعوت لنا وكشفت عنا العذاب لنؤمننّ لك كما في آية الأعراف [ 134 ] لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ الآية . ف ( مهتدون ) اسم فاعل مستعمل في معنى الوعد وهو منصرف للمستقبل بالقرينة كما دلّ عليه قوله : يَنْكُثُونَ [ الزخرف : 50 ] ونظيره قوله في سورة الدخان [ 12 ، 13 ] حكاية عن المشركين رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى الآية . وسمّوا تصديقهم إياه اهتداء لأن موسى سمى ما دعاهم إليه هديا كما في آية النازعات [ 19 ] وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى . [ 50 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 50 ] فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 50 ) أي تفرع على تضرعهم ووعدهم بالاهتداء إذا كشف عنهم العذاب أنهم نكثوا الوعد . والنكث : نقض الحبل المبرم ، وتقدم في قوله : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ في سورة الأعراف [ 135 ] ، وهو مجاز في الخيس بالعهد . والكلام على تركيب هذه الجملة مثل الكلام على قوله آنفا فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ [ الزخرف : 47 ] . [ 51 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 51 ] وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) لما كشف عنهم العذاب بدعوة موسى ، وأضمر فرعون وملؤه نكث الوعد الذي وعدوه موسى بأنهم يهتدون ، خشي فرعون أن يتبع قومه دعوة موسى ويؤمنوا برسالته فأعلن في قومه تذكيرهم بعظمة نفسه ليثبّتهم على طاعته ، ولئلا ينقل إليهم ما سأله من موسى وما