الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

265

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

واستغنت عن الواو لأن إِلَّا كافية في الربط . والمعنى : أنهم يستخفّون بالآيات التي جاء بها موسى في حال أنّها آيات كبيرة عظيمة فإنما يستخفّون بها لمكابرتهم وعنادهم . وصوغ نُرِيهِمْ بصيغة المضارع لاستحضار الحالة . ومعنى هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها يحتمل أن يراد به أن كل آية تأتي تكون أعظم من التي قبلها ، فيكون هنالك صفة محذوفة لدلالة المقام ، أي من أختها السابقة ، كقوله تعالى : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] ، أي كل سفينة صحيحة ، وهذا يستلزم أن تكون الآيات مترتبة في العظم بحسب تأخر أوقات ظهورها لأن الإتيان بآية بعد أخرى ناشئ عن عدم الارتداع من الآية السابقة . ويحتمل ما قال صاحب « الكشاف » أن الآيات موصوفات بالكبر لا بكونها متفاوتة فيه وكذلك العادة في الأشياء التي تتلاقى في الفضل وتتفاوت منازلها فيه التفاوت اليسير ، أي تختلف آراء النّاس في تفضيلها ، فعلى ذلك بنى النّاس كلامهم فقالوا : رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض ، وربّما اختلفت آراء الرجل الواحد فيها فتارة يفضل هذا وتارة يفضل ذاك ، ومنه بيت الحماسة « 1 » : من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يسري بها الساري وقد فاضلت الأنماريّة « 2 » بين الكملة من بنيها ثم قالت لمّا أبصرت مراتبهم متقاربة قليلة التفاوت : ثكلتهم إن كنت أعلم أيّهم أفضل ، هم كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها . فالمعنى : وما نريهم من آية إلّا وهي آية جليلة الدلالة على صدق الرّسول صلى اللّه عليه وسلّم تكاد تنسيهم الآية الأخرى . والأخت مستعارة للمماثلة في كونها آية . وعطف وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ على جملة وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ لأن العذاب كان من الآيات . والعذاب : عذاب الدنيا ، وهو ما يؤلم ويشق ، وذلك القحط والقمّل والطوفان والضفادع والدم في الماء . والأخذ بمعنى : الإصابة . والباء في بِالْعَذابِ للاستعانة كما تقول : خذ الكتاب بقوة ، أي ابتدأناهم بالعذاب قبل الاستئصال لعل ذلك يفيقهم من غفلتهم ، وفي هذا

--> ( 1 ) قائله هو العرندس الكلابي أو عبيد بن العرندس من أبيات . ( 2 ) الأنمارية هي فاطمة بنت الخرشب الأنمارية أم الكملة من بني عبس وهم أبناء زياد : ربيع وعمارة وقيس وأنس . ولهم ألقاب : الكامل ، والحافظ ، والوهاب ، وأنس الفوارس .