الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

256

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نافعا بحال لأنه لا يخفف عن الشريك من عذابه . وأما ما يتعارفه النّاس من تسلّي أحد برؤية مثله ممّن مني بمصيبة فذلك من أوهام البشر في الحياة الدّنيا ، ولعلّ اللّه جعل لهم ذلك رحمة بهم في الدّنيا ، وأما الآخرة فعالم الحقائق دون الأوهام . وفي هذا التوهم جاء قول الخنساء : ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي وقرأ الجمهور أَنَّكُمْ بفتح همزة ( أنّ ) على جعل المصدر فاعلا . وقرأ ابن عامر إنكم بكسر الهمزة على الاستئناف ويكون الوقف عند قوله : إِذْ ظَلَمْتُمْ وفاعل يَنْفَعَكُمُ ضمير عائد على التمني بقولهم : يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [ الزخرف : 38 ] ، أي لن ينفعكم تمنّيكم ولا تفصّيكم . و إِذْ أصله ظرف مبهم للزمن الماضي تفسره الجملة التي يضاف هو إليها ويخرج عن الظرفية إلى ما يقاربها بتوسع أو إلى ما يشابهها بالمجاز . وهو التعليل ، وهي هنا مجاز في معنى التعليل ، شبهت علة الشيء وسببه بالظرف في اللزوم له . وقد ذكر في « مغني اللبيب » معنى التعليل من معاني إِذْ ولم ينسبه لأحد من أئمة النحو واللّغة . وجوز الزمخشري أن تكون إِذْ بدلا من الْيَوْمَ ، وتأويل الكلام على جعل فعل ظَلَمْتُمْ بمعنى : تبيّن أنكم ظلمتم ، أي واستعمل الإخبار بمعنى التبيّن ، كقول زائد بن صعصعة الفقعسي : إذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة * ولم تجدي من أن تقرّي به بدّا أي تبين أن لم تلدني لئيمة ، وتبعه ابن الحاجب في أماليه وقال ابن جني : راجعت أبا علي مرارا في قوله تعالى : وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ الآية مستشكلا إبدال إِذْ من الْيَوْمَ فآخر ما تحصل منه أن الدنيا والآخرة سواء في حكم اللّه وعلمه فكأنّ الْيَوْمَ ماض أو كأن إِذْ مستقبلة ا ه . وهو جواب وهن مدخول . وأقول : اجتمع في هذه الآية دوال على ثلاثة أزمنة وهي لَنْ لنفي المستقبل ، و الْيَوْمَ اسم لزمن الحال ، و إِذْ اسم لزمن المضيّ ، وثلاثتها منوطة بفعل يَنْفَعَكُمُ ومقتضياتها ينافي بعضها بعضا ، فالنفي في المستقبل ينافي التقييد ب الْيَوْمَ الذي هو للحال ، و إِذْ ينافي نفي النفع في المستقبل وينافي التقييد ب الْيَوْمَ فتصدى الزمخشري وغيره لدفع التنافي بين مقتضى إِذْ ومقتضى الْيَوْمَ بتأويل معنى إِذْ كما علمت ، ولم يتصد هو ولا غيره لدفع التنافي بين مقتضى الْيَوْمَ الدال على زمن الحال وبين