الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
251
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحق حالة وهن الشيطان فتتغلب القوة الملكية على القوة الشيطانية فيفيق صاحبها من نومة ضلاله . وقد أشار إلى ذلك قوله : أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ [ الزخرف : 5 ] كما تقدم هنالك ، ولولا ذلك لما ارعوى ضالّ عن ضلاله ولما نفع إرشاد المرشدين في نفوس المخاطبين . فجملة وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ عطف على جملة وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ [ الزخرف : 30 ] الآية . فجملة وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ تمثيل لحالهم في إظهارهم عدم فهم القرآن كقولهم : قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] بحال من يعشو عن الشيء الظاهر للبصر . و يَعْشُ : مضارع عشا كغزا عشوا بالواو ، إذا نظر إلى الشيء نظرا غير ثابت يشبه نظر الأعشى ، وأما العشا بفتح العين والشين فهو اسم ضعف العين عن رؤية الأشياء ، يقال : عشي بالياء مثل عرج إذا كانت في بصره آفة العشا ومصدره عشى بفتح العين والقصر مثل العرج . والفعل واوي عشا يعشو ، ويقال عشي يعشى إذا صار العشا له آفة لأن أفعال الأدواء تأتي كثيرا على فعل بكسر العين مثل مرض . وعشي ياؤه منقلبة عن واو لأجل كسرة صيغة الأدواء . فمعنى وَمَنْ يَعْشُ من ينظر نظرا غير متمكن في القرآن ، أي من لا حظّ له إلا سماع كلمات القرآن دون تدبر وقصد للانتفاع بمعانيه ، فشبه سماع القرآن مع عدم الانتفاع به بنظر الناظر دون تأمل . وعدي يَعْشُ ب عَنْ المفيدة للمجاوزة لأنه ضمن معنى الإعراض عن ذكر الرحمن وإلا فإن حقّ عشا أن يعدّى ب ( إلى ) كما قال الحطيئة : متى تأته تعشه إلى ضوء ناره * تجد خير نار عندها خير موقد ولا يقال : عشوت عن النّار إلا بمثل التضمين الذي في هاته الآية . فتفسير من فسّر يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ بمعنى يعرض : أراد تحصيل المعنى باعتبار التعدية ب عَنْ ، وإنكار من أنكر وجود ( عشا ) بمعنى أعرض أراد إنكار أن يكون معنى أصليا لفعل ( عشا ) وظن أن تفسيره بالإعراض تفسير لمعنى الفعل وليس تفسيرا للتعدية ب عَنْ فالخلاف بين الفريقين لفظي .