الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
213
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بأنهم لم يعقلوا . والمعنى : أنّا يسرنا فهمه عليكم لعلكم تعقلون فأعرضتم ولم تعقلوا معانيه ، لأنه قد نزل مقدار عظيم لو تدبروه لعقلوا ، فهذا الخبر مستعمل في التعريض على طريقة الكناية . [ 4 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 4 ] وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) عطف على جملة إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا [ الزخرف : 3 ] ، فهو زيادة في الثناء على هذا الكتاب ثناء ثانيا للتنويه بشأنه رفعة وإرشادا . و أُمِّ الْكِتابِ : أصل الكتاب . والمراد ب أُمِّ الْكِتابِ علم اللّه تعالى كما في قوله : وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ في سورة الرعد [ 39 ] ، لأن الأمّ بمعنى الأصل والكتاب هنا بمعنى المكتوب ، أي المحقق الموثق وهذا كناية عن الحق الذي لا يقبل التغيير لأنهم كانوا إذا أرادوا أن يحققوا عهدا على طول مدة كتبوه في صحيفة ، قال الحارث بن حلزة : حذر الجور والتطاخي وهل ين * قض ما في المهارق الأهواء وعلي أصله المرتفع ، وهو هنا مستعار لشرف الصفة وهي استعارة شائعة . و حَكِيمٌ : أصله الذي الحكمة من صفات رأيه ، فهو هنا مجاز لما يحوي الحكمة بما فيه من صلاح أحوال النفوس والقوانين المقيّمة لنظام الأمة . ومعنى كون ذلك في علم اللّه : أن اللّه علمه كذلك وما علمه اللّه لا يقبل الشك . ومعناه : أن ما اشتمل عليه القرآن من المعاني هو من مراد اللّه وصدر عن علمه . ويجوز أيضا أن يفيد هذا شهادة بعلوّ القرآن وحكمته على حد قولهم في اليمين : اللّه يعلم ، وعلم اللّه . وتأكيد الكلام ب ( إنّ ) لردّ إنكار المخاطبين إذ كذّبوا أن يكون القرآن موحى به من اللّه . و لَدَيْنا ظرف مستقر هو حال من ضمير إِنَّهُ أو من أُمِّ الْكِتابِ والمقصود : زيادة تحقيق الخبر وتشريف المخبر عنه . وقرأ الجمهور في أُمِّ الْكِتابِ بضمّ همزة أُمِّ . وقرأه حمزة والكسائي بكسر همزة أُمِّ الْكِتابِ في الوصل اتباعا لكسرة فِي ، فلو وقف على فِي لم يكسر الهمزة .