الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

202

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المعتزلة ، والبعض نقل عنه مثل قول السلف . وسبب اختلاف النقل عنه هو أن الماتريدي تابع في أصول الدّين أبا حنيفة . وقد اضطرب أتباعه في فهم عبارته الواقعة في العقيدة المنسوبة إليه المسماة : الفقه الأكبر - إن صحّ عزوها إليه - إذ كانت عبارة يلوح عليها التضارب ولعله مقصود . وتأويلها بما يوافق كلام الأشعري هو التحقيق . وتحقيق هذا المقام بوجه واضح قريب أن نقول : إن ثبوت صفة الكلام للّه هو مثل ثبوت صفة الإرادة وصفة القدرة له تعالى ، في الأزل وهو أشبه باتصافه بالإرادة فكما أن معنى ثبوت صفة الإرادة للّه إنه تعالى متى تعلق علمه بإيجاد شيء لم يكن موجودا ، أو بإعدام شيء كان موجودا ، أنه لا يحول دون تنفيذ ما تعلق علمه بإيجاده أو إعدامه حائل ولا يمنعه منه مانع ، ومتى تعلق علمه بإبقاء المعدوم في حالة العدم أو الموجود في حالة الوجود ، لا يكرهه على ضد ذلك مكره . فكذلك ثبوت الكلام للّه معناه أنه كلما تعلق علمه بأنه يأمر أو ينهى أحدا لم يحل حائل دون إيجاد ما يبلغ مراده إلى المأمورين أو المنهيين ، وكلما تعلق علمه بأن يترك توجيه أمر أو نهي إلى النّاس لم يكرهه مكره على أن يأمرهم أو ينهاهم . وكما أن للإرادة تعلقا صلاحيا أزليّا وتعلّقا تنجيزيا حادثا حين تتوجه الإرادة إلى إيجاد بواسطة القدرة . كذلك نجد لكلام اللّه تعلّقا صلاحيا أزليا وتعلّقا تنجيزيّا حين اقتضاء علم اللّه توجيه أمره أو نهيه أو نحوهما إلى بعض عباده . فالكلام الذي ينطق به الرّسول وينسبه إلى اللّه تعالى هو حادث وهو أثر التعلق التنجيزي الحادث ، والكلام الذي نعتقد أن اللّه أراده وأراد من النّاس العمل به هو الصفة الأزلية القديمة ولها التعلق الصلاحي القديم . وفي « الرسالة الخاقانية » للعلامة عبد الحكيم السلكوتي نقل عن بعض العلماء بأن لكلام اللّه تعلقا تنجيزيا حادثا ، وهذا من التحقيق بمكان . والتحقيق : أن ذلك الكلام الأزلي يتنوع إلى أنواع المدلولات من أمر ونهي وخبر ووعد ووعيد ونحو ذلك . وخلاصة معنى الآية أن اللّه قد يخلق في نفس جبريل أو غيره من الملائكة علما بمراد اللّه على كيفية لا نعلمها ، وعلما بأن اللّه سخره إبلاغ مراده إلى النبي ، والملك يبلغ إلى النبي ما أمر بتبليغه امتثالا للأمر التسخيري ، بألفاظ معينة ألقاها اللّه في نفس الملك مثل ألفاظ القرآن ، أو بألفاظ من صنعة الملك كالتي حكى اللّه عن زكرياء بقوله : فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [ آل عمران : 39 ] . أو يخلق في سمع النبي كلاما يعلم علم اليقين أنه غير صادر إليه من متكلم ، فيوقن أنه من عند اللّه