الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

198

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

144 ] وليس الوحي إلى موسى منحصرا في هذا النوع فإنه كان يوحى إليه الوحي الغالب لجميع الأنبياء والرسل وقد حصل هذا النوع من الكلام لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ليلة الإسراء ، فقد جاء في حديث الإسراء : أن اللّه فرض عليه وعلى أمته خمسين صلاة ثم خفّف اللّه منها حتى بلغت خمس صلوات وأنه سمع قوله تعالى : « أتممت فريضتي وخففت عن عبادي » . وأشارت إليه سورة النجم [ 6 ، 12 ] بقوله تعالى : فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى . والقول بأنه سمع كلام اللّه ليلة أسري به إلى السماء مرويّ عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق والأشعري والواسطي ، وهو الظاهر لأن فضل محمد صلى اللّه عليه وسلّم على جميع المرسلين يستلزم أن يعطيه اللّه من أفضل ما أعطاه رسله عليهم السلام جميعا . النوع الثالث : أن يرسل اللّه الملك إلى النبي فيبلغ إليه كلاما يسمعه النبي ويعيه ، وهذا هو غالب ما يوجه إلى الأنبياء من كلام اللّه تعالى ، قال تعالى في ذكر زكرياء فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [ آل عمران : 39 ] ، وقال في إبراهيم وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا [ الصافات : 104 ، 105 ] وهذا الكلام يأتي بكيفية وصفها النبي صلى اللّه عليه وسلّم للحارث بن هشام وقد سأل رسول اللّه « كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّه عليّ فيفصم عنّي وقد وعيت عنه أي عن جبريل ما قال ، وأحيانا يتمثّل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول » . فالرسول في قوله تعالى : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا : هو الملك جبريل أو غيره ، وقوله : فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ سمّى هذا الكلام وحيا على مراعاة الإطلاق القرآني الغالب كما تقدم نحو قوله : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى [ النجم : 3 - 5 ] وهو غير المراد من قوله : إِلَّا وَحْياً بقرينة التقسيم والمقابلة . ومن لطائف نسج هذه الآية ترتيب ما دل على تكليم اللّه الرسل بدلالات فجيء بالمصدر أولا في قوله : إِلَّا وَحْياً وجيء بما يشبه الجملة ثانيا وهو قوله : مِنْ وَراءِ حِجابٍ ، وجيء بالجملة الفعلية ثالثا بقوله : يُرْسِلَ رَسُولًا . وقرأ نافع أَوْ يُرْسِلَ برفع يُرْسِلَ على الخبرية ، والتقدير : أو هو مرسل رسولا . وقرأ فَيُوحِيَ بسكون الياء بعد كسرة الحاء . وقرأ الباقون أَوْ يُرْسِلَ بنصب الفعل على تقدير ( أن ) محذوفة دل عليها العطف على المصدر فصار الفعل المعطوف في معنى المصدر ، فاحتاج إلى تقدير