الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها [ الأعراف : 85 ] ، فكل فساد وظلم يقع في جزء من الأرض فهو بغي مظروف في الأرض . و بِغَيْرِ الْحَقِّ متعلق ب يَبْغُونَ وهو لكشف حالة البغي لإفادة مذمته إذ لا يكون البغي إلّا بغير الحق فإن مسمى البغي هو الاعتداء على الحق ، وأما الاعتداء على المبطل لأجل باطله فلا يسمى بغيا ويسمّى اعتداء قال تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [ البقرة : 194 ] ، ويقال : استعدى فلان الحاكم على خصمه ، أي طلب منه الحكم عليه . وجملة أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بيان جملة إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ إن أريد ب السَّبِيلُ في قوله : ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى : 41 ] سبيل العقاب في الآخرة ، أو بدل اشتمال منها إن أريد ب السَّبِيلُ هنالك ما يشمل الملام في الدنيا ، أي السبيل الذي عليهم هو أن لهم عذابا أليما جزاء ظلمهم وبغيهم . وحكم هذه الآية يشمل ظلم المشركين للمسلمين ويشمل ظلم المسلمين بعضهم بعضا ليتناسب مضمونها مع جميع ما سبق . وجيء باسم الإشارة للتنبيه على أنهم أحرياء بما يذكر بعد اسم الإشارة لأجل ما ذكر قبله مع تمييزهم أكمل تمييز بهذا الوعيد . [ 43 ] [ سورة الشورى ( 42 ) : آية 43 ] وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 43 ) عطف على جملة وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ [ الشورى : 41 ] ، وموقع هذه الجملة موقع الاعتراض بين جملة إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [ الشورى : 42 ] وجملة وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ [ الشورى : 44 ] . وهذ الجملة تفيد بيان مزية المؤمنين الذي تحملوا الأذى من المشركين وصبروا عليه ولم يؤاخذوا به من آمن ممن آذوهم مثل أخت عمر بن الخطاب قبل إسلامه ، ومثل صهره سعيد بن زيد فقد قال « لقد رأيتني وأن عمر لموثقي على الإسلام قبل أن يسلم عمر » ، فكان في صبر سعيد خير دخل به عمر في الإسلام ، ومزية المؤمنين الذين يصبرون على ظلم إخوانهم ويغفرون لهم فلا ينتصفون منهم ولا يستعدون عليهم على نحو ما تقدم في مسألة التحلل عند قوله تعالى : فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ الشورى : 40 ] . واللام الداخلة على ( من ) لام ابتداء و ( من ) موصولة . وجملة إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ