الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
93
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والعزيز : صفة مشبهة مشتقة من العزّ ، وهو منعة الجانب وأن لا يناله المتسلط وهو ضد الذل ، وتقدم عند قوله تعالى : فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ في سورة البقرة [ 209 ] . والانتقام : المكافأة على الشر بشر ، وهو مشتق من النقم وهو الغضب كأنه مطاوعه لأنه مسبب عن النّقم ، وقد تقدم عند قوله تعالى : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ في سورة الأعراف [ 136 ] . وانظر قوله تعالى : وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ في سورة العقود [ 95 ] . [ 38 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 38 ] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . اعتراض بين جملة أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ [ الزمر : 37 ] ، وجملة قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فالواو اعتراضية ، ويجوز أن يكون معطوفا على جملة أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [ الزمر : 36 ] وهو تمهيد لما يأتي بعده من قوله : قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، لأنه قصد به التوطئة إليه بما لا نزاع فيه لأنهم يعترفون بأن اللّه هو المتصرف في عظائم الأمور ، أي خلقهما وما تحويانه ، وتقدم نظيره في سورة العنكبوت . قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ جاءت جملة قُلْ أَ فَرَأَيْتُمْ على أسلوب حكاية المقاولة والمجاوبة لكلامهم المحكي بجملة لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ولذلك لم تعطف الثانية بالواو ولا بالفاء ، والمعنى : ليقولن اللّه فقل أفرأيتم ما تدعون من دون اللّه إلخ . والفاء من أَ فَرَأَيْتُمْ لتفريع الاستفهام الإنكاري على جوابهم تفريعا يفيد محاجّتهم على لازم اعترافهم بأن اللّه هو خالق السماوات والأرض كما في قوله تعالى : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ [ الزمر : 64 ] . وهذا تفريع الإلزام على الإقرار ، والنتيجة على الدليل فإنهم لما أقروا بأنه خالق السماوات والأرض يلزمهم أن يقرّوا بأنه المتصرف فيما تحويه السماوات والأرض . والرؤية قلبية ، أي أفظننتم . و ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مفعول ( رأيتم ) الأول والمفعول الثاني محذوف سدّ مسده جواب الشرط المعترض بعد المفعول الأول على قاعدة اللغة العربية عند اجتماع