الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
80
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عند قوله : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً في سورة [ النحل : 112 ] . وقد يقال فيه وفي نظائره : إن العدول عن أن يصاغ بصيغة الطلب كما في قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [ يس : 13 ] ، وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [ الكهف : 32 ] وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 45 ] إلى أن صيغ بصيغة الخبر هو التوسل إلى إسناده إلى اللّه تنويها بشأن المثل كما أشرنا إليه في سورة النحل . وإسناد ضرب المثل إلى اللّه لأنه كوّن نظمه بدون واسطة ثم أوحى به إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالقرآن كلّه من جعل اللّه سواء في ذلك أمثاله وغيرها ، وهو كله مأمور رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بتبليغه ، فكأنه قال له : ضرب اللّه مثلا فاضربه للناس وبيّنه لهم ، إذ المقصود من ضرب هذا المثل محاجّة المشركين وتبكيتهم به في كشف سوء حالتهم في الإشراك ، إذ مقتضى الظاهر أن يجري الكلام على طريقة نظائره كقوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ [ يس : 13 ] ، وكذلك ما تقدم من الأمر في نحو قوله : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [ الزمر : 9 ] ، قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [ الزمر : 10 ] ، قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ [ الزمر : 11 ] ، قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ [ الزمر : 14 ] ، قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ [ الزمر : 15 ] ، فَبَشِّرْ عِبادِ [ الزمر : 17 ] . وقد يتطلب وجهه التفرقة بين ما صيغ بصيغة الخبر وما صيغ بصيغة الطلب فنفرق بين الصنفين بأن ما صيغ بصيغة الخبر كان في مقام أهمّ لأنه إمّا تمثيل لإبطال الإشراك ، وإمّا لوعيد المشركين ، وإمّا لنحو ذلك ، خلافا لما صيغ بصيغة الخبر فإنه كائن في مقام العبرة والموعظة للمسلمين أو أهل الكتاب ، وهذا ما أشرنا إليه إجمالا في سورة النحل . وقوله : رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ وما بعده في موضع البيان ل - مَثَلًا . وجعل الممثّل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات ، ولأن ما يراد من الرجل من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبيّ ، ولأن الرجل أشدّ شعورا بما هو فيه من الدعة أو الكدّ ، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان . وجملة فِيهِ شُرَكاءُ نعت ل - رَجُلًا ، وتقديم المجرور على شُرَكاءُ لأن خبر النكرة يحسن تقديمه عليها إذا وصفت ، فإذا لم توصف وجب تقديم الخبر لكراهة الابتداء بالنكرة . ومعنى فِيهِ شُرَكاءُ : في ملكه شركاء .