الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
70
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ارتاع وخشي اقشعرّ جلده من أثر الانفعال الرهبني ، فمعنى تَقْشَعِرُّ مِنْهُ تقشعر من سماعه وفهمه ، فإن السماع والفهم يومئذ متقارنان لأن السامعين أهل اللسان . يقال : اقشعر الجلد ، إذا تقبض تقبضا شديدا كالذي يحصل عند شدة برد الجسد ورعدته . يقال : اقشعر جلده ، إذا سمع أو رأى ما يثير انزعاجه وروعه ، فاقشعرار الجلود كناية عن وجل القلوب الذي تلزمه قشعريرة في الجلد غالبا . وقد عدّ عياض في « الشفاء » من وجوه إعجاز القرآن : الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لعلوّ مرتبته على كل كلام من شأنه أن يهابه سامعه ، قال تعالى : لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [ الحشر : 21 ] . وعن أسماء بنت أبي بكر كان أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم اللّه تدمع أعينهم وتقشعرّ جلودهم . وخص القشعريرة بالذين يخشون ربهم باعتبار ما سيردف به من قوله : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ كما يأتي ، قال عياض : « وهي ، أي الروعة التي تلحق قلوب سامعيه عند سماعه ، على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه كما قال تعالى : وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً [ الإسراء : 46 ] . وهذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام ، فمنهم من أسلم لها لأول وهلة . حكي في الحديث الصحيح عن جبير بن مطعم قال : « سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ قوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ إلى قوله : الْمُصَيْطِرُونَ [ الطور : 35 - 37 ] كاد قلبي أن يطير وذلك أول ما وقر الإسلام في قلبي » . ومنهم من لم يسلم ، روي عن محمد بن كعب القرظي قال : « أخبرت أن عتبة بن ربيعة كلّم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في كفّه عن سبّ أصنامهم وتضليلهم ، وعرض عليه أمورا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسمع فلما فرغ قال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : اسمع ما أقول ، وقرأ عليه حم فصلت [ 1 ] حتى بلغ قوله : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ [ فصلت : 13 ] فأمسك عتبة على فم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وناشده الرحم أن يكفّ » أي عن القراءة . وأما المؤمن فلا تزال روعته وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه ، قال تعالى : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ . الجهة الثانية من جهات هذا الوصف : لين قلوب المؤمنين عند سماعه أيضا عقب