الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
66
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الآية ، ثم بقوله : إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ [ الزمر : 41 ] ثم بقوله : وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [ الزمر : 55 ] . وافتتاح الجملة باسم الجلالة يؤذن بتفخيم أحسن الحديث المنزل بأن منزّله هو أعظم عظيم ، ثم الإخبار عن اسم الجلالة بالخبر الفعلي يدل على تقوية الحكم وتحقيقه على نحو قولهم : هو يعطي الجزيل ، ويفيد مع التقوية دلالة على الاختصاص ، أي اختصاص تنزيل الكتاب باللّه تعالى ، والمعنى : اللّه نزّل الكتاب لا غيره وضعه ، ففيه إثبات أنه منزّل من عالم القدس ، وذلك أيضا كناية عن كونه وحيا من عند اللّه لا من وضع البشر . فدلت الجملة على تقوّ واختصاص بالصراحة ، وعلى اختصاص بالكناية ، وإذ أخذ مفهوم القصر ومفهوم الكناية وهو المغاير لمنطوقهما كذلك يؤخذ مغاير التنزيل فعلا يليق بوضع البشر ، فالتقدير : لا غير اللّه وضعه ، ردّا لقول المشركين : هو أساطير الأولين . والتحقيق الذي درج عليه صاحب « الكشاف » في قوله تعالى : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [ البقرة : 15 ] هو أن التقوى والاختصاص يجتمعان في إسناد الخبر الفعلي إلى المسند إليه ، ووافقه على ذلك شرّاح « الكشاف » . ومفاد هذا التقديم على الخبر الفعلي فيه تحقيق لما تضمنته الإضافة من التعظيم لشأن المضاف في قوله تعالى : مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ الزمر : 22 ] كما علمته آنفا ، فالمراد ب - أَحْسَنَ الْحَدِيثِ عين المراد ب - ذِكْرِ اللَّهِ وهو القرآن ، عدل عن ذكر ضميره لقصد إجراء الأوصاف الثلاثة عليه . وهي قوله : كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ إلخ ، فانتصب كِتاباً على الحال من أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أو على البدلية من أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ، وانتصب مُتَشابِهاً على أنه نعت كِتاباً . الوصف الأول : أنه أحسن الحديث . أي أحسن الخبر ، والتعريف للجنس ، والحديث : الخبر ، سمي حديثا لأن شأن الإخبار أن يكون عن أمر حدث وجدّ . سمي القرآن حديثا باسم بعض ما اشتمل عليه من أخبار الأمم والوعد والوعيد . وأما ما فيه من الإنشاء من أمر ونهي ونحوهما فإنه لما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مبلغه للناس آل إلى أنه إخبار عن أمر اللّه ونهيه . وقد سمي القرآن حديثا في مواضع كثيرة كقوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ في سورة [ الأعراف : 185 ] ، وقوله : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً في سورة [ الكهف : 6 ] .