الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
47
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وأما خسرانهم أهليهم فهو مثل خسرانهم أنفسهم وذلك أنهم أغروا أهليهم من أزواجهم وأولادهم بالكفر كما أوقعوا أنفسهم فيه فلم ينتفعوا بأهليهم في الآخرة ولم ينفعوهم : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [ عبس : 37 ] ، وهذا قريب من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً [ التحريم : 6 ] ، فكان خسرانهم خسرانا عظيما . فقوله : أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ استئناف هو بمنزلة الفذلكة والنتيجة من الكلام السابق لأن وصف الَّذِينَ خَسِرُوا بأنهم خسروا أحب ما عندهم وبأنهم الذين انحصر فيهم جنس الخاسرين ، يستخلص منه أن خسارتهم أعظم خسارة وأوضحها للعيان ، ولذلك أوثرت خسارتهم باسم الخسران الذي هو اسم مصدر الخسارة دالّ على قوة المصدر والمبالغة فيه . وأشير إلى العناية والاهتمام بوصف خسارتهم ، بأن افتتح الكلام بحرف التنبيه داخلا على اسم الإشارة المفيد تمييز المشار إليه أكمل تمييز ، وبتوسط ضمير الفصل المفيد للقصر وهو قصر ادعائي ، والقول فيه كالقول في الحصر في قوله : إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ . [ 16 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 16 ] لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ( 16 ) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ . بدل اشتمال من جملة أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ [ الزمر : 15 ] ، وخص بالإبدال لأنه أشد خسرانهم عليهم لتسلطه على إهلاك أجسامهم . والخسران يشتمل على غير ذلك من الخزي وغضب اللّه واليأس من النجاة . فضمير لَهُمْ عائد إلى مجموع أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ [ الزمر : 15 ] . والظلل : اسم جمع ظلة ، وهي شيء مرتفع من بناء أو أعواد مثل الصّفّة يستظل به الجالس تحته ، مشتقة من الظلّ لأنها يكون لها ظلّ في الشمس ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ في سورة البقرة [ 210 ] ، وقوله : وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ في سورة لقمان [ 32 ] . وهي هنا استعارة للطبقة التي تعلو أهل النار في نار جهنم بقرينة قوله : مِنَ النَّارِ ، شبهت بالظلة في العلوّ والغشيان مع التهكم لأنهم