الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

45

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ الأنعام : 162 ، 163 ] . واعلم أنه لما كان الإسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم كما تقدم عند قوله تعالى فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ في سورة البقرة [ 132 ] ونظائرها كثيرة ، كانت في هذه الآية دلالة على أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم أفضل الرسل لشمول لفظ المسلمين للرسل السابقين . [ 13 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 13 ] قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 13 ) هذا القول متعين لأن يكون الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مأمورا بأن يواجه به المشركين الذين كانوا يحاولون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يترك الدعوة وأن يتابع دينهم . وهما أحد الشقين اللذين وجّه الخطاب السابق إليهما ، وتعيين كلّ لما وجّه إليه منطو بقرينة السياق وقرينة ما بعده من قوله : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [ الزمر : 15 ] . وإعادة الأمر بالقول على هذا للتأكيد اهتماما بهذا المقول ، وأمّا على الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين في المراد من توجيه المطلب في قوله : إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ الزمر : 11 ] الآية فتكون إعادة فعل قُلْ لأجل اختلاف المقصودين بتوجيه القول إليهم ، وقد تقدم قول مقاتل : قال كفار قريش للنبي : ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللّات والعزّى . [ 14 - 15 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 14 إلى 15 ] قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي ( 14 ) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ( 15 ) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ( 14 ) . أمر بأن يعيد التصريح بأنه يعبد اللّه وحده تأكيدا لقوله : قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ [ الزمر : 11 ] ، لأهميته ، وإن كان مفاد الجملتين واحدا لأنهما معا تفيدان أنه لا يعبد إلا اللّه تعالى باعتبار تقييد أَعْبُدَ اللَّهَ الأول بقيد مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وباعتبار تقديم المفعول على أَعْبُدَ الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر ثلاث مرات ، وتمهيدا لقوله : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ وهو المقصود . والفاء في قوله : فَاعْبُدُوا إلخ لتفريع الكلام الذي بعدها على الكلام قبلها فهو تفريع ذكري . والأمر في قوله : فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ مستعمل في معنى التخلية ، ويعبر عنه بالتسوية . والمقصود التسوية في ذلك عند المتكلم فتكون التسوية كناية عن قلة