الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

41

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخطاب بأن يقال : لكم في الدنيا حسنة ، إلى الإتيان باسم الموصول الظاهر وهو الَّذِينَ أَحْسَنُوا ليشمل المخاطبين وغيرهم ممن ثبتت له هذه الصلة . وذلك في معنى : اتقوا ربكم لتكونوا محسنين فإن للذين أحسنوا حسنة عظيمة فكونوا منهم . وتقديم المسند في لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ للاهتمام بالمحسن إليهم وأنهم أحرياء بالإحسان . والمراد بالحسنة الحالة الحسنة ، واستغني بالوصف عن الموصوف على حد قوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً [ البقرة : 201 ] . وقوله في عكسه وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] . وتوسيط قوله : فِي هذِهِ الدُّنْيا بين لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا وبين حَسَنَةٌ نظم مما اختص به القرآن في مواقع الكلم لإكثار المعاني التي يسمح بها النظم ، وهذا من طرق إعجاز القرآن . فيجوز أن يكون قوله : فِي هذِهِ الدُّنْيا حالا من حَسَنَةٌ قدم على صاحب الحال للتنبيه من أول الكلام على أنها جزاؤهم في الدنيا ، لقلة خطور ذلك في بالهم ضمن اللّه لهم تعجيل الجزاء الحسن في الدنيا قبل ثواب الآخرة على نحو ما أثنى على من يقول : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً . وقد جاء في نظير هذه الجملة في سورة النحل [ 30 ] قوله : وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ، أي خير من أمور الدنيا ، ويكون الاقتصار على حسنة الدنيا في هذه الآية لأنها مسوقة لتثبيت المسلمين على ما يلاقونه من الأذى ، ولأمرهم بالهجرة عن دار الشرك والفتنة في الدين ، فأما ثواب الآخرة فأمر مقرر عندهم من قبل ومومى إليه بقوله بعده : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ أي يوفون أجرهم في الآخرة . قال السدّي : الحسنة في الدنيا الصحة والعافية . ويجوز أن يكون قوله : « في الدنيا » متعلقا بفعل أَحْسَنُوا على أنه ظرف لغوي ، أي فعلوا الحسنات في الدنيا فيكون المقصود التنبيه على المبادرة بالحسنات في الحياة الدنيا قبل الفوات والتنبيه على عدم التقصير في ذلك . وتنوين حَسَنَةٌ للتعظيم وهو بالنسبة لحسنة الآخرة للتعظيم الذاتي ، وبالنسبة لحسنة الدنيا تعظيم وصفي ، أي حسنة أعظم من المتعارف ، وأيّا ما كان فاسم الإشارة في قوله : فِي هذِهِ الدُّنْيا لتمييز المشار إليه وإحضاره في الأذهان . وعليه فالمراد ب حَسَنَةٌ يحتمل حسنة الآخرة ويحتمل حسنة الدنيا ، كما في قوله تعالى : الذين يقولون رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً في سورة البقرة [ 201 ] . وقد تقدم نظير هذه الآية في سورة النحل [ 30 ] قوله تعالى : وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْراً لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ، فألحق بها ما قرر هنا .