الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
256
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النابغة يصف الفرات : يظل من خوفه الملاح معتصما * بالخيزرانة بعد الأين والنجد والجمع بين السفر بالإبل والسفر بالفلك جمع لطيف ، فإن الإبل سفائن البر ، وقديما سموها بذلك ، قاله الزمخشري في تفسير سورة المؤمنين . وإنما قال : وَعَلَى الْفُلْكِ ولم يقل : وفي الفلك ، كما قال : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ [ العنكبوت : 65 ] لمزاوجة والمشاكلة مع وَعَلَيْها ، وإنما أعيد حرف ( على ) في الفلك لأنها هي المقصودة بالذكر وكان ذكر وَعَلَيْها كالتوطئة لها فجاءت على مثالها . وتقديم المجرورات في قوله : وَمِنْها تَأْكُلُونَ وقوله : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ لرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بما هو المقصود في السياق . وتقديم لَكُمْ على الْأَنْعامَ مع أن المفعول أشد اتصالا بفعله من المجرور لقصد الاهتمام بالمنعم عليهم . وأما تقديم المجرورين في قوله : وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ فللاهتمام بالمنعم عليهم . والمنعم بها لأنه الغرض الأول من قوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ . [ 81 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 81 ] وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ ( 81 ) عطف على جملة لَكُمُ الْأَنْعامَ [ غافر : 79 ] أي اللّه الذي يريكم آياته . وهذا انتقال من متعدد الامتنان بما تقدم من قوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ [ غافر : 61 ] ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [ غافر : 64 ] ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ [ غافر : 67 ] ، اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ [ غافر : 79 ] ، فإن تلك ذكرت في معرض الامتنان تذكيرا بالشكر ، فنبّه هنا على أن في تلك المنن آيات دالة على ما يجب للّه من الوحدانية والقدرة والحكمة . ولذلك كان قوله : وَيُرِيكُمْ آياتِهِ مفيدا مفاد التذييل لما في قوله : آياتِهِ من العموم لأن الجمع المعرف بالإضافة من صيغ العموم ، أي يريكم آياته في النعم المذكورات وغيرها من كل ما يدلّ على وجوب توحيده وتصديق رسله ونبذ المكابرة فيما يأتونهم به من آيات صدقهم . وقد جيء في جانب إراءة الآيات بالفعل المضارع لدلالته على التجدد لأن الإنسان كلما انتفع بشيء من النعم علم ما في ذلك من دلالة على وحدانية خالقها وقدرته