الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

229

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

القدر أو لا ؟ وهو خلاف بيننا وبين المعتزلة . وليس في الآية حجة عليهم لأنهم تأولوا معنى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، وتقدم قوله تعالى : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية في سورة البقرة [ 186 ] ، وفي الإتيان بالموصول إيماء إلى التعليل . و داخِرِينَ حال من ضمير سَيَدْخُلُونَ أي أذلة ، دخر كمنع وفرح : صغر وذلّ ، وتقدم قوله : سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ في سورة النحل [ 48 ] . وقرأ الجمهور سَيَدْخُلُونَ بفتح التحتية وضم الخاء . وقرأه أبو جعفر ورويس عن يعقوب بضم التحتية وفتح الخاء على البناء للنائب ، أي سيدخلهم ملائكة العذاب جهنم . [ 61 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 61 ] اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 61 ) يجوز أن يكون اسم الجلالة بدلا من رَبُّكُمُ في وَقالَ رَبُّكُمُ [ غافر : 60 ] اتبع رَبُّكُمُ بالاسم العلم ليقضى بذلك حقّان : حق استحقاقه أن يطاع بمقتضى الربوبية والعبودية ، وحقّ استحقاقه الطاعة لصفات كماله التي يجمعها اسم الذات . ولذلك لم يؤت مع وصف الرب المتقدم بشيء من ذكر نعمه ولا كمالاته اجتزاء بمقتضى حق الربوبية ، وذكر مع الاسم العلم بعض إنعامه وإفضاله ثم وصف الاسم بالموصول وصلته إشارة إلى بعض صفاته ، وإيماء إلى وجه الأمر بعبادته ، وتكون الجملة استئنافا بيانيا ناشئا عن تقوية الأمر بدعائه . ويجوز أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول صفة له ويكون الخبر قوله : ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ [ غافر : 64 ] ويكون جملة إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ معترضة ، أو أن يكون اسم الجلالة مبتدأ والموصول خبرا . واعتبار الجملة مستأنفة أحسن من اعتبار اسم الجلالة بدلا لأنه أنسب بالتوقيف على سوء شكرهم ، وبمقام تعداد الدلائل وأسعد بقوله : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً [ غافر : 64 ] ، فتكون الجملة واقعة موقع التعليل لجملة إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ [ غافر : 60 ] ، أي تسببوا لأنفسهم بذلك العقاب لأنهم كفروا نعمة اللّه إذ جعل لهم الليل والنهار . وعلى هذه الاعتبارات كلها فقد سجلت هذه الآية على الناس تقسيمهم إلى : شاكر نعمة ، وكفورها ، كما سجلت عليهم الآية السابقة تقسيمهم إلى : مؤمن بوحدانية اللّه ، وكافر بها . وهذه الآية للتذكير بنعمة اللّه تعالى على الخلق كما اقتضاه لام التعليل في قوله :