الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

227

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً [ غافر : 73 ، 74 ] ، فجعل لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا نقيض ما قيل لهم أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ ، وتشمل المجادلة في وقوع البعث كما دل عليه قوله بعد هذه أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ إلى قوله : إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ [ غافر : 69 - 71 ] الآية ، أعقب ذكر المجادلة أولا بقوله : لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [ غافر : 57 ] وذلك استدلال على إمكان البعث ، ثم عطف عليه قوله : وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ الآية تحذيرا من الإشراك به ، وأيضا لما ذكر أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بدعاء اللّه وحده أمرا مفرّعا على توبيخ المشركين بقوله : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ [ غافر : 12 ] وعلى قوله عقب ذلك : وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [ غافر : 13 ] وانتقل الكلام أثر ذلك إلى الأهمّ وهو الأمر بإنذار المشركين بقوله : وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ [ غافر : 18 ] إلخ ، وتتابعت الأغراض حتى استوفت مقتضاها ، عاد الكلام الآن إلى ما يشمل عبادة المؤمنين الخالصة للّه تعالى وهو أيضا متصل بقوله : وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [ غافر : 50 ] . فلما تقدم ذكر الدعاء بمعنييه : معنى العبادة ، ومعنى سؤال المطلوب ، أردف بهذا الأمر الجامع لكلا المعنيين . والقول المخبر عنه بفعل : قالَ رَبُّكُمُ يجوز أن يراد به كلام اللّه النفسي ، أي ما تعلقت إرادة اللّه تعلقا صلاحيا ، بأن يقوله عند إرادة تكوينه ، ويجوز أن يراد القول اللفظي ويكون التعبير ب ( قال ) الماضي إخبارا عن أقوال مضت في آيات قبل نزول هذه الآية مثل قوله : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ غافر : 14 ] بخلاف قوله : أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] فإنه نزل بعد هذه الآية ، ويجوز أن يكون الماضي مستعملا في الحال مجازا ، أي يقول ربكم : ادعوني . والدعاء يطلق بمعنى النداء المستلزم للاعتراف بالمنادى ، ويطلق على الطلب وقد جاء من كلام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما فيه صلاحية معنى الدعاء الذي في هذه الآية لما يلائم المعنيين في حديث النعمان بن بشير قال : سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « الدعاء هو العبادة » ثم قرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ رواه الترمذي . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، فإن قوله : « الدعاء هو العبادة » يقتضي اتحاد الحقيقتين فإذا كان الدعاء هو العبادة كانت العبادة هي الدعاء لا محالة . فالدعاء يطلق على سؤال العبد من اللّه حاجته وهو ظاهر معناه في اللغة ، ويطلق على عبادة اللّه على طريق الكناية لأن العبادة لا تخلو من دعاء المعبود بنداء تعظيمه والتضرع إليه ،