الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

225

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأعيدت ( لا ) النافية بعد واو العطف على النفي ، وكان العطف مغنيا عنها فإعادتها لإفادة تأكيد نفي المساواة ومقام التوبيخ يقتضي الإطناب ، ولذلك تعدّ ( لا ) في مثله زائدة كما في « مغني اللبيب » ، وكان الظاهر أن تقع ( لا ) قبل ( الذين آمنوا ) ، فعدل عن ذلك للتنبيه على أن المقصود عدم مساواة المسئ لمن عمل الصالحات ، وأن ذكر الذين آمنوا قبل المسئ للاهتمام بالذين آمنوا ولا مقتضي للعدول عنه بعد أن قضي حق الاهتمام بالذين سبق الكلام لأجل تمثيلهم ، فحصل في الكلام اهتمامان . وقريب منه ما في سورة فاطر في أربع جمل : اثنتين قدّم فيهما جانب تشبيه الكافرين ، واثنتين قدّم فيهما تشبيه جانب المؤمنين ، وذلك قوله تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [ فاطر : 19 - 22 ] . و قَلِيلًا حال من أَكْثَرَ النَّاسِ في قوله تعالى قبله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، و ( ما ) في قوله : ما تَتَذَكَّرُونَ مصدرية وهي في محل رفع على الفاعلية . وهذا مؤكد لمعنى قوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لأن قلة التذكر تؤول إلى عدم العلم ، والقلة هنا كناية عن العدم وهو استعمال كثير ، كقوله تعالى : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ [ البقرة : 88 ] ، ويجوز أن تكون على صريح معناها ويكون المراد بالقلة عدم التمام ، أي لا يعلمون فإذا تذكروا تذكرا لا يتممونه فينقطعون في أثنائه عن التعمّق إلى استنباط الدلالة منه فهو كالعدم في عدم ترتب أثره عليه . وقرأ الجمهور يتذكرون بياء الغيبة جريا على مقتضى ظاهر الكلام ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف تَتَذَكَّرُونَ بتاء الخطاب على الالتفات ، والخطاب للذين يجادلون في آيات اللّه . وكون الخطاب لجميع الأمة من مؤمنين ومشركين وأن التذكر القليل هو تذكر المؤمنين فهو قليل بالنسبة لعدم تذكر المشركين بعيد عن سياق الردّ ولا يلاقي الالتفات . [ 59 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 59 ] إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 ) لما أعطي إثبات البعث ما يحق من الحجاج والاستدلال ، تهيأ المقام لاستخلاص تحقيقه كما تستخلص النتيجة من القياس ، فأعلن بتحقيق مجيء السَّاعَةَ وهي ساعة البعث إذ السَّاعَةَ في اصطلاح الإسلام علم بالغلبة على ساعة البعث ، فالساعة والبعث