الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
219
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
للصباح ، والبكرة أول النهار ، وتقدمت في قوله : أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا في سورة مريم [ 11 ] . وتقدم العشيّ في قوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ في سورة الأنعام [ 52 ] . وهذا مقام التحلّي بالكمالات النفسية وبذلك يتم الشكر ظاهرا وباطنا . وجعل الأمران معطوفين على الأمر بالصبر لأن الصبر هنا لانتظار النصر الموعود ، ولذلك لم يؤمر بالصبر لمّا حصل النصر في قوله : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [ النصر : 1 - 3 ] فإن ذلك مقام محض الشكر دون الصبر . وقد أخبر اللّه نبيئه صلّى اللّه عليه وسلّم بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كما في أول سورة الفتح ، فتعين أن أمره بالاستغفار في سورة غافر قبل أن يخبره بذلك ، لطلب دوام المغفرة ، وكان أمره به في سورة النصر بعد أن أخبره بغفران ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، للارشاد إلى شكر نعمة النصر ، وقد قال بعض الصحابة للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن عبادته : إن اللّه قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال ؛ « أفلا أكون عبدا شكورا » . وكان يكثر أن يقول في سجوده « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي » . بعد نزول سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ [ النصر : 1 ] قالت عائشة رضي اللّه عنها يتأول القرآن . وبحكم السياق تعلم أن الآية لا علاقة لها بفرض الصلاة ولا بأوقاتها وإنما هي على نحو قوله تعالى : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ في سورة النصر [ 3 ] . [ 56 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 56 ] إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 ) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ . جرى الكلام من أول السورة إلى هنا في ميدان الرد على مجادلة المشركين في آيات اللّه ودحض شبههم وتوعدهم على كفرهم وضرب الأمثال لهم بأمثالهم من أهل العناد ابتداء من قوله : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ غافر : 4 ] وقوله : أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ [ غافر : 21 ] ، كما ذكرت أمثال أضدادهم من أهل الإيمان من حضر منهم ومن غبر من قوله : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ [ هود : 96 ، 97 ] ثم قوله : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ