الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
215
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لأن المصدر المضاف من صيغ العموم فيقتضي أن دعاء الكافرين غير متقبل في الآخرة وفي الدنيا لأن عموم الذوات يستلزم عموم الأزمنة والأمكنة . وأما ما يوهم استجابة دعاء الكافرين نحو قوله تعالى : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أنجيتنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها [ الأنعام : 63 ، 64 ] وقوله : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [ يونس : 22 ، 23 ] ، فظاهر أن هذه لا تدل على استجابة كرامة ولكنها لتسجيل كفرهم ونكرانهم ، وقد يتوهم في بعض الأحوال أن يدعو الكافر فيقع ما طلبه وإنما ذلك لمصادفة دعائه وقت إجابة دعاء غيره من الصالحين ، وكيف يستجاب دعاء الكافر وقد جاء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم استبعاد استجابة دعاء المؤمن الذي يأكل الحرام ويلبس الحرام في حديث مسلم عن أبي هريرة : « ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رجلا يطيل السّفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء : يا ربّ يا ربّ ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذّي بالحرام فأنّى يستجاب له » . ولهذا لم يقل اللّه : فلما استجاب دعاءهم ، وإنما قال : فلما نجاهم ، أي لأنه قدّر نجاتهم من قبل أن يدعوا أو لأن دعاءهم صادف دعاء بعض المؤمنين . [ 51 - 52 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 51 إلى 52 ] إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) كلام مستأنف وهو استخلاص للعبرة من القصص الماضية مسوق لتسلية الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ووعده بحسن العاقبة ، وتسلية المؤمنين ووعدهم بالنصر وحسن العاقبة في الدنيا والآخرة . وذلك أن الكلام من ابتداء السورة كان بذكر مجادلة المشركين في القرآن بقوله تعالى : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [ غافر : 4 ] وأومأ إلى الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بأن شيعهم آئلة إلى خسار بقوله : فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [ غافر : 4 ] ، وامتد الكلام في الرد على المجادلين وتمثيل حالهم بحال أمثالهم من الأمم التي آل أمرها إلى خيبة واضمحلال في الدنيا وإلى عذاب دائم في الآخرة ولما استوفى الغرض مقتضاه من اطناب البيان بيّن اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عقبه أنه ينصر رسله والذين آمنوا في الدنيا كما دل عليه قوله في آخر الكلام فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [ غافر : 77 ] . وقد علم من فعل النصر أن هنالك فريقا منصورا عليهم الرسل والمؤمنون في الدنيا