الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

200

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ليس المراد به ظاهره بل أريد به الإفضاء إلى إيهام قومه كذب موسى عليه السلام . والتباب : الخسران والهلاك ، ومنه : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [ المسد : 1 ] ، وحرف الظرفية استعارة تبعية لمعنى شدة الملابسة كأنه قيل : « وما كيد فرعون إلّا بتباب شديد » . والاستثناء من أحوال مقدرة . [ 38 - 40 ] [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ( 38 ) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ( 39 ) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ( 40 ) هذا مقال في مقام آخر قاله مؤمن آل فرعون ، فهذه المقالات المعطوفة بالواو مقالات متفرقة . فابتدأ موعظته بندائهم ليلفت إليه أذهانهم ويستصغي أسماعهم ، وبعنوان أنهم قومه لتصغى إليه أفئدتهم . ورتب خطبته على أسلوب تقديم الإجمال ثم تعقيبه بالتفصيل ، فابتدأ بقوله : اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ ، وسبيل الرشاد مجمل وهو على إجماله مما تتوق إليه النفوس ، فربط حصوله باتّباعهم إيّاه مما يقبل بهم على تلقّي ما يفسر هذا السبيل ، ويسترعي أسماعهم إلى ما يقوله إذ لعله سيأتيهم بما ترغبه أنفسهم إذ قد يظنون أنه نقح رأيه ونخل مقاله وأنه سيأتي بما هو الحق الملائم لهم . وتقدم ذكر سَبِيلَ الرَّشادِ آنفا . وأعاد النداء تأكيدا لإقبالهم إذ لاحت بوارقه فأكمل مقدمته بتفصيل ما أجمله يذكرهم بأن الحياة الدنيا محدودة بأجل غير طويل ، وأن وراءها حياة أبدية ، لأنه علم أن أشدّ دفاعهم عن دينهم منبعث عن محبة السيادة والرفاهية ، وذلك من متاع الدنيا الزائل وأن الخير لهم هو العمل للسعادة الأبدية . وقد بنى هذه المقدمة على ما كانوا عليه من معرفة أن وراء هذه الحياة حياة أبدية فيها حقيقة السعادة والشقاء ، وفيها الجزاء على الحسنات والسّيئات بالنعيم أو العذاب ، إذ كانت ديانتهم تثبت حياة أخرى بعد الحياة الدنيا ولكنها حرفت معظم وسائل السعادة والشقاوة ، فهذه حقائق مسلّمة عندهم على إجمالها وهي من نوع الأصول الموضوعة في صناعة الجدل ، وبذلك تمّت مقدمة خطبته وتهيأت نفوسهم لبيان مقصده المفسّر لإجمال مقدمته . فجملة إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ مبينة لجملة أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ . والمتاع :