الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
19
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الوحدانية له يبطل الشريك في الإلهية على تفاوت مراتبه ، وإثبات الْقَهَّارُ يبطل ما زعموه من أن أولياءهم تقربهم إلى اللّه زلفى وتشفع لهم . والقهر : الغلبة ، أي هو الشديد الغلبة لكل شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته . [ 5 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : آية 5 ] خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ( 5 ) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى . هذه الجملة بيان لجملة هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الزمر : 4 ] فإن خلق هذه العوالم والتصرف فيها على شدتها وعظمتها يبين معنى الوحدانية ومعنى القهّارية ، فتكون جملة هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ذات اتصالين : اتصال بجملة لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً [ الزمر : 4 ] كاتصال التذييل ، واتصال بجملة خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ اتصال التمهيد . وقد انتقل من الاستدلال باقتضاء حقيقة الإلهية نفي الشريك إلى الاستدلال بخلق السماوات والأرض على أنه المنفرد بالخلق إذ لا يستطيع شركاؤهم خلق العوالم . والباء في بِالْحَقِّ للملابسة ، أي خلقها خلقا ملابسا للحق وهو هنا ضد البعث ، أي خلقهما خلقا ملابسا للحكمة والصواب والنفع لا يشوب خلقهما عبث ولا اختلال قال تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الدخان : 38 - 39 ] . وجملة يُكَوِّرُ اللَّيْلَ بيان ثان وهو كتعداد الجمل في مقام الاستدلال أو الامتنان . وأوثر المضارع في هذه الجملة للدلالة على تجدد ذلك وتكرره ، أو لاستحضار حالة التكوير تبعا لاستحضار آثارها فإن حالة تكوير اللّه الليل على النهار غير مشاهدة وإنما المشاهد أثرها وتجدد الأثر يدل على تجدد التأثير . والتكوير حقيقته : اللف والليّ ، يقال : كوّر العمامة على رأسه إذا لواها ولفّها ، ومثّلت به هنا هيئة غشيان الليل على النهار في جزء من سطح الأرض وعكس ذلك على