الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
188
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
لما كان هذا تكملة لكلام الذي آمن ولم يكن فيه تعريج على محاورة فرعون على قوله : ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى [ غافر : 29 ] إلخ وكان الذي آمن قد جعل كلام فرعون في البين واسترسل يكمل مقالته عطف فعل قوله بالواو ليتصل كلامه بالكلام الذي قبله ، ولئلا يتوهم أنه قصد به مراجعة فرعون ولكنه قصد إكمال خطابه ، وعبر عنه بالذي آمن لأنه قد عرف بمضمون الصلة بعد ما تقدم . وإعادته نداء قومه تأكيد لما قصده من النداء الأول حسبما تقدم . وجعل الخوف وما في معناه يتعدى إلى المخوف منه بنفسه وإلى المخوف عليه بحرف ( على ) قال لبيد يرثي أخاه أربد : أخشى على أربد الحتوف ولا * أخشى عليه الرياح والمطرا و يَوْمِ الْأَحْزابِ مراد به ، الجنس لا ( يوم ) معين بقرينة إضافته إلى جمع أزمانهم متباعدة . فالتقدير : مثل أيام الأحزاب ، فإفراد يوم للإيجاز ، مثل بطن في قول الشاعر وهو من شواهد سيبويه في باب الصفة المشبهة بالفاعل : كلوا في بعض بطنكم تعفّوا * فإن زمانكم زمن خميص والمراد بأيام الأحزاب أيام إهلاكهم والعرب يطلقون اليوم على يوم الغالب ويوم المغلوب . والأحزاب الأمم لأن كل أمة حزب تجمعهم أحوال واحدة وتناصر بينهم فلذلك تسمى الأمة حزبا ، وتقدم عند قوله تعالى : كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ في سورة المؤمنين [ 53 ] . والدأب : العادة والعمل الذي يدأب عليه عامله ، أي يلازمه ويكرره ، وتقدم في قوله تعالى : كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ في أول آل عمران [ 11 ] . وانتصب مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ على عطف البيان من مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ ولما كان بيانا له كان ما يضافان إليه متحدا لا محالة فصار الأحزاب و ( الدأب ) في معنى واحد وإنما يتم ذلك بتقدير مضاف متحد فيهما ، فالتقدير : مثل يوم جزاء الأحزاب . مثل يوم جزاء دأب قوم نوح وعاد وثمود ، أي جزاء عملهم . ودأبهم الذي اشتركوا فيه هو الإشراك باللّه . وهذا يقتضي أن القبط كانوا على علم بما حلّ بقوم نوح وعاد وثمود ، فأما قوم نوح فكان طوفانهم مشهورا ، وأما عاد وثمود فلقرب بلادهم من البلاد المصرية وكان عظيما لا