الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
185
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقدم احتمال كذبه على احتمال صدقه زيادة في التباعد عن ظنهم به الانتصار لموسى فأراد أن يظهر في مظهر المهتم بأمر قومه ابتداء . ومعنى : وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ استنزالهم للنظر ، أي فعليكم بالنظر في آياته ولا تعجلوا بقتله ولا باتباعه فإن تبين لكم كذبه فيما تحداكم به وما أنذركم به من مصائب فلم يقع شيء من ذلك لم يضركم ذلك شيئا وعاد كذبه عليه بأن يوسم بالكاذب ، وإن تبين لكم صدقه يصبكم بعض ما توعّدكم به ، أي تصبكم بوارقه فتعلموا صدقه فتتبعوه ، وهذا وجه التعبير ب بَعْضُ دون أن يقول : يصبكم الذي يعدكم به . والمراد بالوعد هنا الوعد بالسوء وهو المسمى بالوعيد . أي فإن استمررتم على العناد يصبكم جميع ما توعّدكم به بطريق الأولى . وقد شابه مقام أبي بكر الصديق مقام مؤمن آل فرعون إذ آمن بالنبيء صلّى اللّه عليه وسلّم حين سمع دعوته ولم يكن من آله ، ويوم جاء عقبة بن أبي معيط إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ( والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بفناء الكعبة ) يخنقه بثوبه فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكب عقبة ودفعه وقال : أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ . قال علي بن أبي طالب : « واللّه ليوم أبي بكر خير من مؤمن آل فرعون ، إنّ مؤمن آل فرعون رجل يكتم إيمانه وإن أبا بكر كان يظهر إيمانه وبذل ماله ودمه » . وأقول : كان أبو بكر أقوى يقينا من مؤمن آل فرعون لأن مؤمن آل فرعون كتم إيمانه وأبو بكر أظهر إيمانه . وجملة إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ يجوز أنها من قول مؤمن آل فرعون ، فالمقصود منها تعليل قوله : وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي لأن اللّه لا يقره على كذبه فإن كان كاذبا على اللّه فلا يلبث أن يفتضح أمره أو يهلكه ، كما قال تعالى : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ [ الحاقة : 44 - 46 ] لأن اللّه لا يمهل الكاذب عليه ، ولأنه إذا جاءكم بخوارق العادات فقد تبين صدقه لأن اللّه لا يخرق العادة بعد تحدي المتحدّي بها إلّا ليجعلها أمارة على أنه مرسل منه لأن تصديق الكاذب محال على اللّه تعالى . ومعنى : يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ أي مما توعدكم بوقوعه في الدنيا ، أو في الآخرة وكيف إذا كانت البينة نفسها مصائب تحلّ بهم مثل الطوفان والجراد وبقية التسع الآيات .