الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

183

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليهم أن لا يجزعوا من مناواة فرعون لهم وأن عليهم أن يعوذوا باللّه من كل ما يفظعهم . وجعلت صفة لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ مغنية عن صفة الكفر أو الإشراك لأنها تتضمن الإشراك وزيادة ، لأنه إذا اجتمع في المرء التجبر والتكذيب بالجزاء قلّت مبالاته بعواقب أعماله فكملت فيه أسباب القسوة والجرأة على الناس . [ 28 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 28 ] وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ( 28 ) عطف قول هذا الرجل يقتضي أنه قال قوله هذا في غير مجلس شورى فرعون ، لأنه لو كان قوله جاريا مجرى المحاورة مع فرعون في مجلس استشارته ، أو كان أجاب به عن قول فرعون : ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى [ غافر : 26 ] لكانت حكاية قوله بدون عطف على طريقة المحاورات . والذي يظهر أن اللّه ألهم هذا الرجل بأن يقول مقالته إلهاما كان أول مظهر من تحقيق اللّه لاستعاذة موسى باللّه ، فلما شاع توعد فرعون بقتل موسى عليه السلام جاء هذا الرجل إلى فرعون ناصحا ولم يكن يتهمه فرعون لأنه من آله . وخطابه بقوله : أَ تَقْتُلُونَ موجّه إلى فرعون لأن فرعون هو الذي يسند إليه القتل لأنه الآمر به ، ولحكاية كلام فرعون عقب كلام مؤمن آل فرعون بدون عطف بالواو في قوله : قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى [ غافر : 29 ] . ووصفه بأنه من آل فرعون صريح في أنه من القبط ولم يكن من بني إسرائيل خلافا لبعض المفسرين ألا ترى إلى قوله تعالى بعده : يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا [ غافر : 29 ] فإن بني إسرائيل لم يكن لهم ملك هنالك . والأظهر أنه كان من قرابة فرعون وخاصته لما يقتضيه لفظ آل من ذلك حقيقة أو مجازا . والمراد أنه مؤمن باللّه ومؤمن بصدق موسى ، وما كان إيمانه هذا إلا لأنه كان رجلا صالحا اهتدى إلى توحيد اللّه إما بالنظر في الأدلة فصدّق موسى عندما سمع دعوته كما اهتدى أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه إلى تصديق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حين سماع دعوته فقال له : « صدقت » . وكان كتمه الإيمان متجددا مستمرا تقية من فرعون وقومه إذ علم أن إظهاره الإيمان يضره ولا ينفع غيره كما كان ( سقراط ) يكتم إيمانه باللّه في بلاد اليونان خشية أن يقتلوه انتصارا لآلهتهم .