الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

172

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التذكير بالاستعداد ليوم الحساب وهو يوم الآزفة . ويوم الآزفة يوم القيامة . وأصل الآزفة اسم فاعل مؤنث مشتق من فعل أزف الأمر ، إذا قرب ، فالآزفة صفة لموصوف محذوف تقديره : الساعة الآزفة ، أو القيامة الآزفة ، مثل الصاخّة ، فتكون إضافة يَوْمَ إلى الْآزِفَةِ ، حقيقية . وتقدم القول في تعدية الإنذار إلى ( اليوم ) في قوله : لتنذر يَوْمَ التَّلاقِ [ غافر : 15 ] . و إِذِ بدل من يَوْمَ فهو اسم زمان منصوب على المفعول به ، مضاف إلى جملة الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ وأل في الْقُلُوبُ و الْحَناجِرِ عوض عن المضاف إليه . وأصله : إذ قلوبهم لدى حناجرهم ، فبواسطة ( أل ) عوض تعريف الإضافة بتعريف العهد وهو رأي نحاة الكوفة ، والبصريون يقدرون : إذ القلوب منهم والحناجر منهم والمعنى : إذ قلوب الذين تنذرهم ، يعني المشركين ، فأمّا قلوب الصالحين يومئذ فمطمئنة . والقلوب : البضعات الصنوبرية التي تتحرك حركة مستمرة ما دام الجسم حيّا فتدفع الدم إلى الشرايين التي بها حياة الجسم . والحناجر : جمع حنجرة بفتح الحاء وفتح الجيم وهي الحلقوم . ومعنى القلوب لدى الحناجر : أن القلوب يشتدّ اضطراب حركتها من فرط الجزع مما يشاهده أهلها من بوارق الأهوال حتى تتجاوز القلوب مواضعها صاعدة إلى الحناجر كما قال تعالى في ذكر يوم الأحزاب : وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ [ الأحزاب : 10 ] . وكاظم : اسم فاعل من كظم كظوما ، إذا احتبس نفسه ( بفتح الفاء ) . فمعنى كاظِمِينَ : اكنين لا يستطيعون كلاما . فعلى هذا التأويل لا يقدّر ل كاظِمِينَ مفعول لأنه عومل معاملة الفعل اللازم . ويقال : كظم كظما ، إذا سدّ شيئا مجرى ماء أو بابا أو طريقا فهو كاظم ، فعلى هذا يكون المفعول مقدرا . والتقدير : كاظمينها ، أي كاظمين حناجرهم إشفاقا من أن تخرج منها قلوبهم من شدة الاضطراب . وانتصب كاظِمِينَ على الحال من ضمير الغائب في قوله : أَنْذِرْهُمْ على أن الحال حال مقدرة . ويجوز أن يكون حالا من القلوب على المجاز العقلي بإسناد الكاظم إلى القلوب وإنما الكاظم أصحاب القلوب كما في قوله تعالى : فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [ البقرة : 79 ] وإنما الكاتبون هم بأيديهم . وجملة ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ في موضع بدل اشتمال من جملة الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ لأن تلك الحالة تقتضي أن يستشرفوا إلى شفاعة من اتخذوهم