الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

169

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، ولأن الأظهر أن ضمير لِيُنْذِرَ عائد إلى مَنْ يَشاءُ . ومعنى مِنْهُمْ من مجموعهم ، أي من مجموع أحوالهم وشؤونهم ، ولهذا أوثر ضمير الجمع لما فيه من الإجمال الصالح لتقدير مضاف مناسب للمقام ، وأوثر أيضا لفظ شَيْءٌ لتوغله في العموم ، ولم يقل لا يخفى على اللّه منهم أحد ، أو لا يخفى على اللّه من أحد شيء ، أي من أجزاء جسمه ، فالمعنى : لا يخفى على اللّه شيء من أحوالهم ظاهرها وباطنها . لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ . مقول لقول محذوف ، وحذف القول من حديث البحر . والتقدير : يقول اللّه لمن الملك اليوم ، ففعل القول المحذوف جملة في موضع الحال ، أو استئناف بياني جوابا عن سؤال سائل عما ذا يقع بعد بروزهم بين يدي اللّه . والاستفهام إما تقريري ليشهد الطغاة من أهل المحشر على أنفسهم أنهم كانوا في الدنيا مخطئين فيما يزعمونه لأنفسهم من ملك لأصنامهم حين يضيفون إليها التصرف في ممالك من الأرض والسماء ، مثل قول اليونان بإله البحر وإله الحرب وإله الحكمة ، وقول أقباط مصر بإله الشمس وإله الموت وإله الحكمة ، وقول العرب باختصاص بعض الأصنام ببعض القبائل مثل اللات لثقيف ، وذي الخلصة لدوس ، ومناة للأوس والخزرج . وكذلك ما يزعمونه لأنفسهم من سلطان على الناس لا يشاركهم فيه غيرهم كقول فرعون : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] وقوله : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] ، وتلقيب أكاسرة الفرس أنفسهم بلقب : ملك الملوك ( شاهنشاه ) ، وتلقيب ملوك الهند أنفسهم بلقب ملك الدنيا ( شاه‌جهان ) . ويفسر هذا المعنى ما في الحديث في صفة يوم الحشر « ثم يقول اللّه أنا الملك أين ملوك الأرض » استفهاما مرادا منه تخويفهم من الظهور يومئذ ، أي أين هم اليوم لما ذا لم يظهروا بعظمتهم وخيلائهم . ويجوز أيضا أن يكون الاستفهام كناية عن التشويق إلى ما يرد بعده من الجواب لأن الشأن أن الذي يسمع استفهاما يترقب جوابه فيتمكن من نفسه الجواب عند سماعه فضل تمكّن ، على أن حصول التشويق لا يفوت على اعتبار الاستفهام للتقرير ، وقريب منه : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [ البقرة : 186 ] . و الْيَوْمَ المعرف باللام هو اليوم الحاضر ، وحضوره بالنسبة إلى القول المحكي أنه يقال فيه ، أي اليوم الذي وقع فيه هذا القول كما هو شأن أسماء الزمان الظروف إذا