الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
167
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والإلقاء : حقيقته رمي الشيء من اليد إلى الأرض ، ويستعار للاعطاء إذا كان غير مترقب ، وكثر هذا في القرآن ، قال : فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ [ النحل : 86 ، 87 ] . واستعير هنا للوحي لأنه يجيء فجأة على غير ترقب كإلقاء الشيء إلى الأرض . والروح : الشريعة ، وحقيقة الروح : ما به حياة الحيّ من المخلوقات ، ويستعار للنفيس من الأمور وللوحي لأنه به حياة الناس المعنوية وهي كمالهم وانتظام أمورهم ، فكما تستعار الحياة للإيمان والعلم ، كذلك يستعار الروح الذي هو سبب الحياة لكمال النفوس وسلامتها من الطوايا السيئة ، ويطلق الروح على الملك قال : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا [ مريم : 17 ] . و مِنْ ابتدائية في مِنْ أَمْرِهِ أي بأمره ، فالأمر على ظاهره . ويجوز أن تكون مِنْ تبعيضية ظرفا مستقرا صفة الرُّوحَ أي بعض شؤونه التي لا يطلع عليها غيره إلا من ارتضى فيكون الأمر بمعنى الشأن ، أي الشؤون العجيبة ، وقيل : مِنْ بيانية وأن الأمر هو الروح وهذا بعيد . وهذه الآية تشير إلى أن النبوءة غير مكتسبة لأنها ابتدئت بقوله : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ غافر : 14 ] ثم أعقب بقوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ فأشار إلى عبادة اللّه بإخلاص سبب لرفع الدرجات ، ثم أعقب بقوله : يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ فجيء بفعل الإلقاء وبكون الروح من أمره وبصلة مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، فآذن بأن ذلك بمحض اختياره وعلمه كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالاته [ الأنعام : 124 ] . وهذا يرتبط بقوله في أول السورة [ 2 ] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ فأمر رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بالإخلاص في العبادة مفرعا على إنزال الكتاب إليه ، وجاء في شأن الناس بقوله : فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ [ غافر : 14 ] ثم أعقبه بقوله : رَفِيعُ الدَّرَجاتِ . وقد ضرب لهم العرش والأنبياء مثلين لرفع الدرجات في العوالم والعقلاء ، وفيه تعريض بتسفيه المشركين فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [ القمر : 24 ] ، وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] و قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ [ الأنعام : 124 ] . وتخلص من ذكر النبوءة إلى النذارة بيوم الجزاء ليعود وصف يوم الجزاء الذي انقطع الكلام عليه من قوله تعالى : ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ [ غافر : 12 ] إلخ .