الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
160
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فجملة فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا إنشاء إقرار بالذنوب ولذلك جيء فيه بالفعل الماضي كما هو غالب صيغ الخبر المستعمل في الإنشاء مثل صيغ العقود نحو : بعت . والمعنى : نعترف بذنوبنا . وجعلوا هذا الاعتراف ضربا من التوبة توهما منهم أن التوبة تنفع يومئذ ، فلذلك فرعوا عليه : فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ، فالاستفهام مستعمل في العرض والاستعطاف كليا لرفع العذاب ، وقد تكرر في القرآن حكاية سؤال أهل النار الخروج أو التخفيف ولو يوما . والاستفهام بحرف هل مستعمل في الاستعطاف . وحرف مِنْ زائد لتوكيد العموم الذي في النكرة ليفيد تطلبهم كل سبيل للخروج وشأن زيادة مِنْ أن تكون في النفي وما في معناه دون الإثبات . وقد عدّ الاستفهام بهل خاصة من مواقع زيادة مِنْ لتوكيد العموم كقوله تعالى : وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ ق : 30 ] ، وتقدم ذلك عند قوله تعالى : فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا في سورة الأعراف [ 53 ] ، وأن وجه اختصاص هل بوقوع مِنْ الزائدة في المستفهم عنه بها أنه كثر استعمال الاستفهام بها في معنى النفي ، وزيادة مِنْ حينئذ لتأكيد النفي وتنصيص عموم النفي ، فخف وقوعها بعد هل على ألسن أهل الاستعمال . وتنكير خروج للنّوعية تلطفا في السؤال ، أي إلى شيء من الخروج قليل أو كثير لأن كل خروج ينتفعون به راحة من العذاب كقولهم : ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ [ غافر : 49 ] . والسبيل : الطريق واستعير إلى الوسيلة التي يحصل بها الأمر المرغوب ، وكثر تصرف الاستعمال في إطلاقات السبيل والطريق والمسلك والبلوغ على الوسيلة وبحصول المقصود . وتنكير سَبِيلٍ كتنكير خُرُوجٍ أي من وسيلة كيف كانت بحق أو بعفو بتخفيف أو غير ذلك . قال في « الكشاف » « وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط » يريد أنّ في اقتناعهم بخروج ما دلالة على أنهم يستبعدون حصول الخروج . [ 12 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 12 ] ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 )