الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

153

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بأنهم يستغفرون للذين آمنوا فذلك هو المقصود من الخبر ، فقدم له ما فيه تحقيق استجابة استغفارهم لصدوره ممن دأبهم التسبيح وصفتهم الإيمان . وصيغة المضارع في يُسَبِّحُونَ و يُؤْمِنُونَ و يَسْتَغْفِرُونَ مفيدة لتجدد ذلك وتكرره ، وذلك مشعر بأن المراد أنهم يفعلون ذلك في الدنيا كما هو الملائم لقوله : فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وقوله : وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ [ غافر : 8 ] وقوله : وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ [ غافر : 9 ] إلخ وقد قال في الآية الأخرى وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 5 ] أي من المؤمنين كما تقدم . ومعنى تجدد الإيمان المستفاد من وَيُؤْمِنُونَ تجدد ملاحظته في نفوس الملائكة وإلا فإن الإيمان عقد ثابت في النفوس وإنما تجدده بتجدد دلائله وآثاره . وفائدة الإخبار عنهم بأنهم يؤمنون مع كونه معلوما في جانب الملائكة التنويه بشأن الإيمان بأنه حال الملائكة ، والتعريض بالمشركين أن لم يكونوا مثل أشرف أجناس المخلوقات مثل قوله تعالى في حق إبراهيم وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 161 ] . وجملة رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً مبيّنة ل يَسْتَغْفِرُونَ ، وفيها قول محذوف دلت عليه طريقة التكلم في قولهم : رَبَّنا . والباء في بِحَمْدِ رَبِّهِمْ للملابسة ، أي يسبحون اللّه تسبيحا مصاحبا للحمد ، فحذف مفعول يُسَبِّحُونَ لدلالة المتعلّق به عليه . والمراد ب لِلَّذِينَ آمَنُوا المؤمنون المعهودون وهم المؤمنون بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأنهم المقصود في هذا المقام وإن كان صالحا لكل المؤمنين . وافتتح دعاء الملائكة للمؤمنين بالنداء لأنه أدخل في التضرع وأرجى للإجابة ، وتوجهوا إلى اللّه بالثناء بسعة رحمته وعلمه لأن سعة الرحمة مما يطمع باستجابة الغفران ، وسعة العلم تتعلق بثبوت إيمان الذين آمنوا . ومعنى السعة في الصفتين كثرة تعلقاتهما ، وذكر سعة العلم كناية عن يقينهم بصدق إيمان المؤمنين فهو بمنزلة قول القائل ، أنت تعلم أنهم آمنوا بك ووحّدوك . وجيء في وصفه تعالى بالرحمة الواسعة والعلم الواسع بأسلوب التمييز المحوّل عن النسبة لما في تركيبه من المبالغة بإسناد السعة إلى الذات ظاهرا حتى كأنّ ذاته هي التي وسعت ، فذلك إجمال يستشرف به السامع إلى ما يرد بعده فيجيء بعده التمييز المبيّن لنسبة السعة أنها من جانب الرحمة وجانب العلم ، وهي فائدة تمييز النسبة في كلام العرب ، لأن