الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

146

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بالبعث والجزاء لأنه لما أجريت صفات غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ أثير في الكلام الإطماع والتخويف فكان حقيقا بأن يشعروا بأن المصير إما إلى ثوابه وإما إلى عقابه فليزنوا أنفسهم ليضعوها حيث يلوح من حالهم . وتقديم المجرور في إِلَيْهِ الْمَصِيرُ للاهتمام وللرعاية على الفاصلة بحرفين : حرف لين ، وحرف صحيح مثل : العليم ، والبلاد ، وعقاب . وقد اشتملت فاتحة هذه السورة على ما يشير إلى جوامع أغراضها ويناسب الخوض في تكذيب المشركين بالقرآن ويشير إلى أنهم قد اعتزوا بقوتهم ومكانتهم وأن ذلك زائل عنهم كما زال عن أمم أشد منهم ، فاستوفت هذه الفاتحة كمال ما يطلب في فواتح الأغراض مما يسمى براعة المطلع أو براعة الاستهلال . [ 4 ] [ سورة غافر ( 40 ) : آية 4 ] ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ ( 4 ) استئناف بياني نشأ من قوله : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ غافر : 2 ] المقتضي أن كون القرآن منزلا من عند اللّه أمر لا ريب فيه كما تقدم ، فينشأ في نفوس السامعين أن يقولوا : فما بال هؤلاء المجادلين في صدق نسبة القرآن إلى اللّه لم تقنعهم دلائل نزول القرآن من اللّه ، فأجيب بأنه ما يجادل في صدق القرآن إلا الذين كفروا باللّه وإذ قد كان كفر المكذبين بالقرآن أمرا معلوما كان الإخبار عنهم بأنهم كافرون غير مقصود منه إفادة اتصافهم بالكفر ، فتعين أن يكون الخبر غير مستعمل في فائدة الخبر لا بمنطوقه ولا بمفهومه ، فإن مفهوم الحصر وهو : أن الذين آمنوا لا يجادلون في آيات اللّه كذلك أمر معلوم مقرر ، فيجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا نفس المجادلين في آيات اللّه وأن المراد بكفرهم كفرهم بوحدانية اللّه بسبب إشراكهم ، فالمعنى : لا عجب في جدالهم بآيات اللّه فإنهم أتوا بما هو أعظم وهو الإشراك على طريقة قوله تعالى : يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [ النساء : 153 ] . ويجوز أن يجعل المراد بالذين كفروا جميع الكافرين باللّه من السابقين والحاضرين ، أي ما الجدل في آيات اللّه إلا من شأن أهل الكفر والإشراك ، ومجادلة مشركي مكة شعبة من شعب مجادلة كل الكافرين ، فيكون استدلالا بالأعمّ على الخاص ، وعلى كلا الوجهين ترك عطف هذه الجملة على التي قبلها . والمراد بالمجادلة هنا المجادلة بالباطل بقرينة السياق فمعنى فِي آياتِ اللَّهِ في