الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا . والمراد بهم : المشركون . وهذه السورة جعلت الستين في عداد ترتيب نزول السور نزلت بعد سورة الزمر وقبل سورة فصّلت وهي أول سور ( آل حم ) نزولا . وقد كانت هذه السورة مقروءة عقب وفاة أبي طالب ، أي سنة ثلاث قبل الهجرة لما سيأتي أن أبا بكر قرأ آية أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ [ غافر : 28 ] حين آذى نفر من قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حول الكعبة ، وإنما اشتد أذى قريش رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد وفاة أبي طالب . والسور المفتتحة بكلمة حم سبع سور مرتبة في المصحف على ترتيبها في النزول ويدعى مجموعها « آل حم » جعلوا لها اسم ( آل ) لتآخيها في فواتحها . فكأنها أسرة واحدة وكلمة ( آل ) تضاف إلى ذي شرف ( ويقال لغير المقصود تشريفه أهل فلان ) قال الكميت : قرأنا لكم في آل حاميم آية * تأوّلها منا فقيه ومعرب يريد قول اللّه تعالى في سورة « حم عسق » قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [ الشورى : 23 ] على تأويل غير ابن عباس فلذلك عززه بقوله : تأوّلها منا فقيه ومعرب . وربما جمعت السور المفتتحة بكلمة حم فقيل الحواميم جمع تكسير على زنة فعاليل لأن مفرده على وزن فاعيل وزنا عرض له من تركيب اسمي الحرفين : حا ، ميم ، فصار كالأوزان العجمية مثل ( قابيل ) ، و ( راحيل ) وما هو بعجمي لأنه وزن عارض لا يعتدّ به . وجمع التكسير على فعاليل يطرد في مثله . وقد ثبت أنهم جمعوا حم على حواميم في أخبار كثيرة عن ابن مسعود ، وابن عباس ، وسمرة بن جندب ، ونسب في بعض الأخبار إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يثبت بسند صحيح . ومثله السور المفتتحة بكلمة طس أو طسم جمعوها على طواسين بالنون تغليبا . وأنشد أبو عبيدة أبياتا لم يسم قائلها : حلفت بالسبع الألى قد طوّلت * وبمئين بعدها قد أمّئت وبثمان ثنيت وكررت * وبالطواسين اللواتي ثلثت وبالحواميم اللواتي سبعت * وبالمفصل التي قد فصّلت وعن أبي عبيدة والفراء أن قول العامة الحواميم ليس من كلام العرب وتبعهما أبو منصور الجواليقي . وقد عدت آيها أربعا وثمانين في عد أهل المدينة وأهل مكة ، وخمسا وثمانين في