الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

132

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 73 ] . وهو علامة لأمر التكوين ، فالأحياء يصعقون فيموتون ( كما يموت المفزوع ) بالنفخة الأولى ، والأموات يصعقون اضطرابا تدبّ بسببه فيهم الحياة فيكونون مستعدين لقبول الحياة ، فإذا نفخت النفخة الثانية حلّت الأرواح في الأجساد المخلوقة لهم على مثال ما بلي من أجسادهم التي بليت ، أو حلّت الأرواح في الأجساد التي لم تزل باقية غير بالية كأجساد الذين صعقوا عند النفخة الأولى ، ويجوز أن يكون بين النفختين زمن تبلى فيه جميع الأجساد . والاستثناء من اسم الموصول الأول ، أي إلا من أراد اللّه عدم صعقه وهم الملائكة والأرواح ، وتقدم في سورة النمل [ 87 ] وَيَوْمَ يُنْفَخُ « 1 » فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ . و ثُمَّ تؤذن بتراخي الرتبة لأنها عاطفة جملة ، ويجوز أن تفيد مع ذلك المهلة المناسبة لما بين النفختين . و أُخْرى صفة لمحذوف ، أي نفخة أخرى ، وهي نفخة مخالف تأثيرها لتأثير النفخة الأولى ، لأن الأولى نفخة إهلاك وصعق ، والثانية نفخة إحياء وذلك باختلاف الصوتين أو باختلاف أمري التكوين . وإنما ذكرت النفخة الثانية في هذه الآية ولم تذكر في قوله في سورة النمل [ 87 ] وَيَوْمَ يُنْفَخُ « 2 » فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ لأن تلك في غرض الموعظة بفناء الدنيا وهذه الآية في غرض عظمة شأن اللّه في يوم القيامة ، وكذلك وصف النفخة بالواحدة في سورة الحاقة [ 13 ، 15 ] فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ وذكرت هنا نفختان . وضمير هُمْ عائد على مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ فيما بقي من مفهومه بعد التخصيص ب إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وهم الذين صعقوا صعق ممات وصعق اضطراب يهيأ لقبول الحياة عند النفخة . وإذا للمفاجأة للتنبيه على سرعة حلول الحياة فيهم وقيامهم إثره و قِيامٌ جمع قائم . وجملة يَنْظُرُونَ حال . والنظر : الإبصار ، وفائدة هذه الحال الدلالة على أنهم حيوا حياة كاملة لا غشاوة معها على أبصارهم ، أي لا دهش فيها كما في قوله تعالى : فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ في سورة الصافات [ 19 ] ، أو أريد أنهم ينظرون نظر المقلّب بصره الباحث . ويجوز أن يكون من النظرة ، أو الانتظار .

--> ( 1 ، 2 ) في المطبوعة ( ونفخ ) ، وهو خطأ .