الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

109

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

التي اكتسب بها قارون من معرفة تدابيرها مالا عظيما ، وهو علم خاص به ، وأما ما هنا فهو العلم الذي يوجد في جميع أهل الرأي والتدبير . والمراد : العلم بطرق الكسب ودفع الضرّ كمثل حيل النوتيّ في هول البحر . والمعنى : أنه يقول ذلك إذا ذكّره بنعمة اللّه عليه الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أو أحد المؤمنين ، وبذلك يظهر موقع صيغة الحصر لأنه قصد قلب كلام من يقول له إن ذلك من رحمة اللّه به . و بَلْ للإضراب الإبطالي وهو إبطال لزعمهم أنهم أوتوا ذلك بسبب علمهم وتدبيرهم ، أي بل إن الرحمة التي أوتوها إنما آتاهم اللّه إياها ليظهر للأمم مقدار شكرهم ، أي هي دالّة على حالة فيهم تشبه حالة الاختبار لمقدار علمهم باللّه وشكرهم إياه لأن الرحمة والنعمة بها أثر في المنع عليه إمّا شاكرا وإمّا كفورا واللّه عالم بهم وغنيّ عن اختبارهم . وضمير هِيَ عائد إلى القول المستفاد من قالَ على طريقة إعادة الضمير على المصدر المأخوذ من فعل نحو اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [ المائدة : 8 ] ، وإنما أنّث ضميره باعتبار الإخبار عنه بلفظ فِتْنَةٌ ، أو على تأويل القول بالكلمة كقوله تعالى : كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [ المؤمنون : 100 ] بعد قوله : قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ [ المؤمنون : 99 ، 100 ] والمراد : أن ذلك القول سبب فتنة أو مسبب عن فتنة في نفوسهم . ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى نِعْمَةً . والاستدراك بقوله تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ناشئ عن مضمون جملة إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ ، أي لكن لا يعلم أكثر الناس ومنهم القائلون ، أنهم في فتنة بما أوتوا من نعمة إذا كانوا مثل هؤلاء القائلين الزاعمين أن ما هم فيه من خير نتيجة مساعيهم وحيلهم . وضمير أَكْثَرَهُمْ عائد إلى معلوم من المقام غير مذكور في الكلام إذ لم يتقدم ما يناسب أن يكون له معادا ، والمراد به الناس ، أي لكن أكثر الناس لا يعلمون أن بعض ما أوتوه من النعمة في الدنيا يكون لهم فتنة بحسب ما يتلقونها به من قلة الشكر وما يفضي إلى الكفر ، فدخل في هذا الأكثر جميع المشركين الذين يقول كل واحد منهم : إنما أوتيته على علم . [ 50 - 51 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 50 إلى 51 ] قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 51 )