الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

106

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإنصاف والانصياع إلى قواطع الحجج ، بحيث إن من يتطلب حاكما فيهم لا يجد حاكما فيهم إلا اللّه تعالى . وهذا أيضا يومئ إلى العذر للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في قيامه بأقصى ما كلّف به لأن هذا القول إنما يصدر عمن بذل وسعه فيما وجب عليه ، فلما لقّنه ربه أن يقوله كان ذلك في معنى : أنك أبلغت وأديت الرسالة فلم يبق إلا ما يدخل تحت قدرة اللّه تعالى التي لا يعجزها الألدّاء أمثال قومك ، وفيه تسلية للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وفيه وعيد للمعاندين . والحكم يصدق بحكم الآخرة وهو المحقق الذي لا يخلف ، ويشمل حكم الدنيا بنصر المحق على المبطل إذا شاء اللّه أن يعجل بعض حكمه بأن يعجل لهم العذاب في الدنيا . والإتيان بفعل الكون صلة ل ما الموصولة ليدل على تحقق الاختلاف ، وكون خبر ( كان ) مضارعا تعريض بأنه اختلاف متجدد إذ لا طماعية في ارعواء المشركين عن باطلهم . وتقديم فِيهِ على يَخْتَلِفُونَ للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالأمر المختلف فيه . [ 47 - 48 ] [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 47 إلى 48 ] وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ( 47 ) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 48 ) عطف على جملة قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الزمر : 46 ] إلخ لأنها تشير إلى أن الحق في جانب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهو الذي دعا ربه للمحاكمة ، وأن الحكم سيكون على المشركين ، فأعقب ذلك بتهويل ما سيكون به الحكم بأنه لو وجد المشركون فدية منه بالغة ما بلغت لافتدوا بها . و ما فِي الْأَرْضِ يشمل كل عزيز عليهم من أهليهم وأموالهم بل وأنفسهم فهو أهون من سوء العذاب يوم القيامة . والمعنى : لو أن ذلك ملك لهم يوم القيامة لافتدوا به يومئذ . ووجه التهويل في ذلك هو ما يستلزمه ملك هذه الأشياء من الشح بها في متعارف النفوس ، فالكلام تمثيل لحالهم في شدة الدرك والشقاء بحال من لو كان له ما ذكر لبذله فدية من ذلك العذاب ، وتقدم نظير هذا في سورة العقود . وتضمن حرف الشرط أن كون ما في الأرض لهم منتف ، فأفاد أن لا فداء لهم من سوء العذاب وهو تأييس لهم . و مِنْ في قوله : مِنْ سُوءِ الْعَذابِ بمعنى لام التعليل ، أي لافتدوا به لأجل العذاب السيّئ الذي شاهدوه . ويجوز أن تكون للبدل ، أي بدلا عن سُوءِ الْعَذابِ .